شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ١٢٠ - الضّابط السّابع فى موادّ الأقيسة البرهانيّة
فإذا كان الاستقراء عبارة عن هذا، فنعلم أنّ حكمنا على كلّ إنسان ب «أنّه إذا قطع رأسه لا يعيش» ، ليس إلاّ حكما على كلّىّ بما صودف فى جزئيّاته الكثيرة، إذ لا مشاهدة للكلّ. و ليس هذا مثل حكمنا على أنّ «كلّ إنسان حيوان» ، لأنّه ليس بناء على مشاهدة كثير من جزئيّاته، بل نظرا إلى نفس الطّبيعة و الماهيّة.
و الاستقراء قد يفيد اليقين، إذا اتّحد النّوع، كما فى المثال المذكور ، إذ كان الاستقراء تامّا، كما مرّ. و إذا اختلف، النّوع، قد لا يفيد اليقين. و إنّما قال: «قد يفيد اليقين» لأنّه قد يفيده مع اختلاف النّوع، و ذلك إذا كان تامّا ، كحكمك بأنّ «كلّ حيوان يحرّك لدن مضغه فكّه الأسفل» ، استقراء بما شاهدت، و يجوز أن يكون حكم ما لم تشاهده، كالتّمساح، بخلاف ما شاهدته ، لأنّه يحرّك عند المضغ فكّه الأعلى.
و من الحدسيّات «المتواترات» ، و هى قضايا يحكم بها الإنسان لكثرة الشّهادات، من المخبرين، فإنّه لو حصل اليقين بقول واحد كان حدسا، لا تواترا، إذا المعتبر فيه الكثرة ، يقينا ، بشرط عدم امتناع المخبر عنه، و الأمن من التّوافق على الكذب، و انتهائها إلى من شاهد المخبر عنه، كالحكم بوجود مكّة فى زماننا، و وجود جالينوس و غيره فى أزمنة متقادمة.
و يشترط فيه استواء طرفى ذلك الزّمان و واسطته فى حصول العدد التّواترىّ. و إنّما ترك ذكر اشتراط كونه مسندا إلى الحسّ، لظهوره، فإنّه لو أطبق أهل العالم بالإخبار على أنّ «العالم قديم أو محدّث» ، أو على اجتماع النّقيضين و نحوهما، لما أفاد إخبارهم يقينا، لأنّه عن أمر معقول، لا عن محسوس.
و إلى الشّرطين أشار بقوله: فيكون الشّيء ممكنا فى نفسه، و تأمن النّفس عن التّواطؤ. و اليقين هو القاضى بوفور الشّهادات ، لأنّه إذا حصل علم أنّ عدد الشّهادات قد تمّ . و ليس لنا أن نحصر عددها ، أى: عدد الشّهادات، فى مبلغ معيّن.
كما حصره بعض أهل النّظر فى عدد، كمن حصره فى أربعين، الّذي به تنعقد الجمعة فى بعض المذاهب، أو ثلاثمائة و ثلاثة عشر، عدد أهل البدر، إلى غير ذلك من تحكّماتهم الباردة. فإنّ ذلك لا يتعلّق بعدد يؤثّر النّقصان و الزّيادة فيه، لحصول