موسوعة في ظلال شهداء الطف - الصمياني، حيدر - الصفحة ٤٠ - ١ ـ عثمانيّ غير معاند
وهذا النموذج هو الوليد بن المغيرة المخزومي، عظيم مكّة، وكان يملك من القدرات والمؤهّلات ما يستطيع من خلالها أن يميّز الحق من الباطل، حيث لمس بنفسه وتيقّن بقلبه أنّ ما يقوله رسول الله’ ليس سحراً وإنّما هو وحي من قِبل الله عزّ وجلّ، ولكنّه وقف بين أمرين: فإمّا أن يُذعن للحقّ ويسلّم له، وإمّا أن يُذعن لهواه وهوى قومه فيتكبّر عليه، فاختار الأمر الثاني دون الأوّل.
ولكن ما الذي جرى يا ترى على الوليد بعد ذلك؟ وماذا قال عنه القرآن الكريم؟ وكيف عبّر عنه وبأيّ لهجة؟
يقول الله سبحانه في سورة المدّثر وهو يسرد لنا قصّة هذا النموذج المتكبّر عن الحق:
( إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) ([٧٧]).
وعليه، فليس المهمّ أن يطّلع الإنسان على الحق أو أن يعرفه، وإنّما المهمّ أن تُذعن له نفسه وتُطيع.
يقول ابن مسعود: (مَن جاءك بالحقّ فاقبل منه وإن كان بعيداً بغيضاً، ومَن جاءك بالباطل فاردده وإن كان حبيباً قريباً)([٧٨]).
[٧٧] المدثر: ١٨ ـ ٢٩.
[٧٨] تفسير الطبري الكبير: ج٩، ص٦٠١.