كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١١٥ - في محبّة الرسول
أبي طالب على خلقي، فبلّغهم ذلك عنّي.
و منه عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لو اجتمع الناس على حب علي بن أبي طالب (عليه السلام) لما خلق اللّه عزّ و جلّ النار.
أقول: و ربّما وقف على هذا الحديث بعض من يميل إلى العناد طبعه، و يتّسع في الخلاف و النصب ذرعه، فيرد عليه منه ما يضيق عنه وسعه، فيجزم بخفض مناره عند ما يعييه دفعه، و يسارع إلى القدح في راويه و معتقده، و يكر على ناقله بلسانه و قلبه و يده، و هو لا يعلم أنّه إنّما اصيب من قبل طبعه الذميم، و أتي من قبل تصوّره السقيم، و وجه تبينه أنّ محبّة علي (عليه السلام) فرع على محبّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و تصديقه في جميع ما جاء به، و محبّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و تصديقه فرع على معرفة اللّه تعالى و وحدانيّته، و العمل بأوامره و اجتناب نواهيه، و الأخذ بكتابه و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و من المعلوم أنّ الناس كافة لو خلقوا على هذه الفطرة لم يخلق اللّه النار، و كيف يحب عليا من خالف مذهبه في علمه و حلمه و زهده و ورعه و صلاته و صيامه؟! و مسارعته إلى طاعات اللّه و إقدامه و الأخذ بكتاب اللّه في تحليل حلاله و تحريم حرامه؟ و مجاهداته في ذات اللّه شارعا لرمحه شاهرا لحسامه (١)، و قناعته بخشونة ملبسه و جشوبة مأكله (٢)؟ و انتصابه في محرابه يقطع الليل بصالح عمله؟ و هذه أوصاف لا يستطيعها غيره من العباد، و لكنّه
قال (عليه السلام): أعينوني بورع و اجتهاد،
و قد وصف شيعته فقال: إنّهم خمص البطون من الطوى عمش العيون من البكاء (٣)؟!
و قال (عليه السلام)- و قد سأله همام عن المؤمنين، و كان همام هذا رجلا عابدا و الكلام مذكور في نهج البلاغة أذكر منه شيئا-: فالمتقون فيها (٤) هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب، و ملبسهم الاقتصاد، و مشيهم التواضع، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللّه عليهم،
(١) الحسام- بضم الحاء-: السيف القاطع.
(٢) جشب الطعام: غلظ.
(٣) خمص البطون: فرغ و ضمر أي هزل و دقّ و قلّ لحمه. و الطوى: الجوع. و عمشت عينه: ضعف بصرها مع سيلان دمعها في أكثر الأوقات.
(٤) و الضمير إلى الدنيا.