كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٦٠٤ - نذكر هنا أمورا وقعت بعد قتله
كثيرا يقبّلهما، ثمّ انتحب باكيا (١). فقال له ابن زياد لعنه اللّه: أبكى اللّه عينيك، أ تبكي لفتح اللّه، لو لا أنّك شيخ قد خرفت و ذهب عقلك لضربت عنقك، فنهض زيد بن أرقم من بين يديه و صار إلى منزله.
و أدخل عيال الحسين (عليه السلام) على ابن زياد لعنه اللّه، فدخلت زينب أخت الحسين (عليه السلام) في جملتهم متنكّرة، و عليها أرذل ثيابها، فمضت حتّى جلست ناحية من القصر و حفّ بها إماؤها، فقال ابن زياد: من هذه التي انحازت و معها نساؤها؟ فلم تجبه زينب، فأعاد القول ثانية و ثالثة يسأل عنها، فقال له بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فأقبل عليها ابن زياد و قال لها: الحمد للّه الذي فضحكم و قتلكم و أكذب أحدوثتكم، فقالت زينب: الحمد للّه الذي أكرمنا بنبيّه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و طهّرنا من الرجس تطهيرا، إنّما يفتضح الفاسق و يكذب الفاجر و هو غيرنا و الحمد للّه، فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع اللّه بأهل بيتك؟ قالت: كتب اللّه عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، و سيجمع اللّه بينك و بينهم فتحاجون إليه و تختصمون عنده، فغضب ابن زياد و استشاط (٢) فقال له عمرو بن حريث: أيّها الأمير إنّها امرأة و المرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها و لا تذم على خطئها، فقال لها ابن زياد: قد شفى اللّه نفسي من طاغيتك و العصاة من أهل بيتك، فرقّت زينب (عليها السلام) و بكت و قالت له: لعمري لقد قتلت كهلي (٣)، و أبرت أهلي (٤)، و قطعت فرعي، و اجتثثت أصلي (٥)، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت، فقال ابن زياد: هذه سجّاعة و لعمري لقد كان أبوها سجّاعا شاعرا، فقالت: ما للمرأة و السجاعة، إنّ لي عن السجاعة لشغلا و لكن نفث صدري بما قلت.
قلت: من سماع هذه الأقوال و استفظاع هذه الأفعال كنت أكره الخوض في ذكر مصرعه (عليه السلام)، و بقيت سنين لم أسمعه يقرأ في عاشوراء كما جرت عوائد الناس بقراءته لأنّي كنت أجد لما جرى عليه و على أهل بيته (عليهم السلام) ألما قويّا و جزعا تامّا و تحرّقا مفرطا و انزعاجا بالغا، و لوعة مبرحة، ثمّ كان قصارى أن أبكي و ألعن ظالميه و أسبّهم و لم أر
(١) انتحب: تنفّس شديدا.
(٢) استشاط عليه: التهب غيظا.
(٣) الكهل- بالفتح-: من كانت سنو عمره بين الثلاثين و الخمسين تقريبا.
(٤) أبره: أهلكه.
(٥) اجتثه: قلعه من أصله.