كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥٦٣ - السادس في علمه و شجاعته و شرف نفسه
و قد كان أكثر هؤلاء المخرجين لقتاله قد شايعوه و كاتبوه و طاوعوه و تابعوه، و سألوه القدوم عليهم ليبايعوه، فلمّا جاءهم كذّبوه ما وعدوه، و أنكروه و جحدوه، و مالوا إلى السحت العاجل فعبدوه، و خرجوا إلى قتاله رغبة في عطاء ابن زياد فقصدوه، فنصب (عليه السلام) نفسه و إخوته و أهله و كانوا نيّفا و ثمانين لمحاربتهم، و اختاروا بأجمعهم القتل على متابعتهم ليزيد و مبايعتهم، فاعتلقتهم الفجرة اللئام، و رهقتهم المردة الطغام، و رشقتهم النبال و السهام، و أوثقتهم من شبا شفارها الكلام.
هذا و الحسين (عليه السلام) ثابت لا تخف حصاة شجاعته، و لا تجف عزيمة شهامته، و قدمه في المعترك أرسى من الجبال، و قلبه لا يضطرب لهول القتال و لا لقتل الرجال، و قد قتل قومه من جموع ابن زياد جمعا جمّا، و أذاقوهم من الحميّة الهاشمية رهقا و كلما (١)، و لم يقتل من العصابة الهاشميّة قتيل حتّى أثخن في قاصديه و قتل، و أغمد ظبئه في أبشارهم و جدل، فحينئذ تكالبت طغام الأجناد على الجلاد، و تناسبت الأجلاد في المفاضلة بالحداد، و ثبت كثرة الألواف منهم على قلّة الآحاد، و تقاربت من الأنوف الهاشميّة الآجال المحتومة على العباد، فاستبقت الأملاك البررة إلى الأرواح، و باء الفجرة بالآثام في الأجساد، فسقطت أشلاؤهم المتلاشية على الأرض صرعى تصافح منها صعيدا، و نطقت حالهم بأنّ لقتلهم يوما تودّ لو أن بينها و بينه أمدا بعيدا، و تحقّقت النفوس المطمئنّة باللّه كون الظالم و المظلوم شقيّا و سعيدا، و ضاقت الأرض بما رحبت على حرم الحسين (عليه السلام) و أطفاله إذ بقي وحيدا.
فلمّا رأى (عليه السلام) وحدته، و رزء أسرته، و فقد نصرته، تقدّم على فرسه إلى القوم حتّى واجههم و قال لهم: يا أهل الكوفة قبحا لكم و تعسا حين استصرختمونا والهين، فآتيناكم موجفين (٢)، فشحذتم علينا سيفا كان في أيماننا، و حششتم علينا نارا (٣) نحن أضرمناها على أعدائكم و أعدائنا، فأصبحتم ألبا (٤) على أوليائكم، و يدا لأعدائكم، من غير عدل أفشوه فيكم، و لا ذنب كان منّا إليكم الويلات هلا إذ كرهتمونا (٥)
(١) الرهق: الضعف، الذلّة، الهلاك. و الكلم: الجرح.
(٢) أي مسرعين.
(٣) حش النار: أوقدها.
(٤) الالب- بالكسر و الفتح لغة-: القوم يجتمعون على عداوة الإنسان.
(٥) و في بعض النسخ «تركتمونا» مكان «كرهتمونا».