كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥٢١ - السابع في عبادته
و نوافله و عبادته و زهادته و سيرته التي جرت بها عادته و سريرته، التي عرفت بها قاعدته، من الامور التي اشتهرت و ظهرت، و كم رام الأعداء سترها فما استترت، و هل يخفى النهار لذي عينين، و من الذي يبلغ شأو الحسن و الحسين (١)، و كيف لا و قد خصّا بالولدين و السيّدين و الريحانتين، فمناقبهما صلّى اللّه عليهما تملى، و قلم القدر يكتب بالتصديق، و يسجل لمواليهما بحسن الاهتداء و معاونة التوفيق.
و من كلامه الدال على عبادته و نزاهته، الشاهد بقوّة تمكّنه و علوّ مكانته،
قوله في بعض مواعظه: يا بن آدم عف عن محارم اللّه تكن عابدا، و ارض بما قسّم اللّه سبحانه تكن غنيّا، و أحسن جوار من جاورك تكن مسلما، و صاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك بمثله تكن عدلا، إنّه كان بين أيديكم أقوام يجمعون كثيرا و يبنون مشيّدا، و يأملون بعيدا، أصبح جمعهم بورا (٢) و عملهم غرورا، و مساكنهم قبورا يا بن آدم إنّك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمّك، فخذ ممّا في يديك لما بين يديك، فإنّ المؤمن يتزوّد، و الكافر يتمتّع.
و كان يتلو بعد هذه الموعظة: وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.
فتدبّر معاني هذا الكلام بفكرك، و أعطه نصيبا وافرا من فهمك تجد مشرع (العبادة و) الفصاحة نميرا (٣) و يتحقّق قوله تعالى: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ إن وجدت قلبا عقولا و طرفا بصيرا.
و روى الكليني رحمه اللّه تعالى مرفوعا عن أبي أسامة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: خرج الحسن بن علي (عليه السلام) إلى مكة سنة ماشيا فورّمت قدماه، فقال له بعض مواليه: لو ركبت ليسكن عنك هذا الورم؟ فقال: كلّا إذا أتينا هذا المنزل فإنّه يستقبلك أسود و معه دهن فاشتر منه و لا تماكسه (٤)، فقال له مولاه: بأبي أنت و أمّي ما قدّمنا منزلا فيه أحد يبيع هذا الدواء، قال: بلى إنّه أمامك دون المنزل، فساروا أميالا فإذا هم بالاسود، فقال الحسن بن علي (عليهما السلام) لمولاه: دونك الرجل فخذ منه الدهن و أعطه الثمن، فقال له الأسود: يا غلام لمن أردت هذا الدهن؟ فقال: للحسن بن علي (عليهما السلام)، فقال: انطلق بي
(١) الشأو: الغاية و الأمد.
(٢) قوما بورا أي هالكين، من بار بمعنى هلك.
(٣) المشرع: مورد الشاربة إذا كان نهرا. و النمير: الزاكي من الماء.
(٤) ماكسه في البيع: استحطه الثمن و استنقصه إيّاه.