كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٤٠٤ - فصل في ذكر مناقب شتّى و أحاديث متفرّقة أوردها الرواة و المحدّثون و أخبار و آثار دالّة على ما نحن بصدده من ذكر فضله
بموت الحسن بن علي (عليهما السلام) فسجد شكرا للّه تعالى و بان السرور في وجهه!! في حديث طويل ذكره الزبير و ذكرت منه موضع الحاجة إليه، و أذن للناس و أذن لابن عباس بعدهم، فدخل فاستدناه و كان قد عرف بسجدته، فقال له: أ تدري ما حدث بأهلك؟ قال: لا، قال: فإنّ أبا محمّد (عليه السلام) توفي رحمه اللّه، فعظّم اللّه لك الأجر، فقال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، عند اللّه نحتسب المصيبة برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عند اللّه نحتسب مصيبتنا بالحسن بن علي رحمه اللّه، أنّه قد بلغتني سجدتك فلا أظنّ لك إلّا لوفاته، و اللّه لا يسدّ جسده حفرتك، و لا يزيد انقضاء أجله في عمرك، و لطال ما رزينا بأعظم من الحسن (١) ثمّ جبر اللّه.
قال معاوية: كم كان أتى له من العمر؟ قال: شأنه أعظم من أن يجهل مولده، قال:
أحسبه ترك صبية صغارا، قال: كلّنا كان صغيرا فكبر، قال: أصبحت سيّد أهلك، قال:
امّا ما أبقى اللّه أبا عبد اللّه الحسين بن علي فلا، ثمّ قام و عينه تدمع، فقال معاوية: للّه درّه لا و اللّه ما هيّجناه قط إلّا وجدناه سيّدا.
و دخل على معاوية بعد انقضاء العزاء فقال: يا أبا العباس أ ما تدري ما حدث في أهلك؟ قال: لا، قال: هلك أسامة بن زيد، فعظّم اللّه لك الأجر، قال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، رحم اللّه أسامة، و خرج و أتاه بعد أيام و قد عزم على محاقته (٢)، فصلّى في الجامع يوم الجمعة و اجتمع الناس عليه يسألونه عن الحلال و الحرام و الفقه و التفسير و أحوال الإسلام و الجاهلية و هو يجيب، و افتقد معاوية الناس فقيل إنّهم مشغولون بابن عباس، و لو شاء أن يضربوا معه بمائة ألف سيف قبل الليل لفعل، فقال: نحن أظلم منه حبسناه عن أهله و منعناه حاجته و نعينا إليه أحبّته، انطلقوا فادعوه، فأتاه الحاجب فدعاه، فقال: إنّا بني عبد مناف إذا حضرت الصلاة لم نقم حتّى نصلّي، أصلّي إن شاء اللّه و آتيه.
فرجع و صلّى العصر و أتاه، فقال: ما حاجتك؟ فما سأله حاجة إلّا قضاها و قال:
أقسمت عليك لمّا دخلت بيت المال فأخذت حاجتك، و إنّما أراد أن يعرف أهل الشام ميل ابن عباس إلى الدنيا، فعرف ما يريده، فقال: إنّ ذلك ليس لي و لا لك، فإن أذنت أن
(١) الرزء و الرزية: المصيبة العظيمة.
(٢) حاق محاقة في الأمر: خاصمه و رافعه و ادّعى أنّه أولى بالحق.