كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٣٩٦ - فصل في ذكر مناقب شتّى و أحاديث متفرّقة أوردها الرواة و المحدّثون و أخبار و آثار دالّة على ما نحن بصدده من ذكر فضله
قلت: السيّد الحميري رحمه اللّه كان كيسانيّا يقول برجعة أبي القاسم محمّد بن الحنفيّة (عليه السلام)، فلمّا عرفه الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) الحق و القول بمذهب الإماميّة الاثنى عشرية ترك ما كان عليه و رجع إلى الحق و قال به، و شعره رحمه اللّه في مذهبه مشهور لا حاجة إلى ذكره لاشتهاره، و كان نظّاما للوقائع مجيدا، و هو كثير الشعر، و لا يوجد من شعره إلّا القليل.
و روي أنّه وجد حمّال و هو يمشي بحمل ثقيل، فقيل: ما معك؟ قال: ميميّات السيّد، و غلب هذا الاسم عليه فلم يكن علويّا فإنّه بطريق تسميته السيّد يتوهّم ذلك و على ذكره.
حدّث الحسين بن عون قال: دخلت على السيّد ابن محمّد الحميري عائدا في علّته التي مات فيها، فوجدته يساق به، و وجدت عنده جماعة من جيرانه و كانوا عثمانية، و كان السيّد جميل الوجه، رحب الجبهة، عريض ما بين السالفين (١)، فبدت في وجهه نكتة سوداء مثل النقطة من المداد ثمّ لم تزل تنمى و تزيد حتّى طبّقت وجهه بسوادها، فاغتمّ لذلك من حضره من الشيعة، و ظهر من الناصبة سرور و شماتة، فلم يلبث بذلك إلّا قليلا حتّى بدت في ذلك في ذلك المكان من وجهه لمعة بيضاء فلم تزل تزيد أيضا و تنمى حتّى اصفرّ وجهه و أشرق و افترّ السيّد ضاحكا (٢) و قال:
كذب الزاعمون أنّ عليّا * * * لم ينجّي محبّه من هنات (٣)
قد و ربّي دخلت جنّة عدن * * * و عفا لي الإله عن سيّئاتي
فابشروا اليوم أولياء علي * * * و تولّوا عليّ حتّى الممات
ثمّ من بعده تولّوا بنيه * * * واحدا بعد واحد بالصفات
ثمّ أتبع قوله هذا: أشهد أن لا إله إلّا اللّه حقّا حقّا، أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه حقّا حقّا، أشهد أنّ عليّا أمير المؤمنين حقّا حقّا، أشهد أن لا إله إلّا اللّه، ثمّ أغمض عينه لنفسه، فكأنّما كانت روحه ذبالة طفيت (٤) أو حصاة سقطت.
قال علي بن الحسين: قال لي أبي الحسين بن عون و كان أذينة حاضرا فقال: اللّه
(١) رحب الوجه: واسعه. و السالفة: صفحة العنق عند معلق القرط.
(٢) افتر الرجل: ضحك ضحكا حسنا.
(٣) الهنات: الداهية.
(٤) الذبالة: الفتيلة.