كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٣٨٨ - فصل في ذكر مناقب شتّى و أحاديث متفرّقة أوردها الرواة و المحدّثون و أخبار و آثار دالّة على ما نحن بصدده من ذكر فضله
بمبيتك عليه أمري، فما أنت قائل و صانع؟ فقال علي (عليه السلام): أو تسلم بمبيتي هناك يا نبي اللّه؟ قال: نعم، فتبسّم علي (عليه السلام) ضاحكا و أهوى إلى الأرض ساجدا شكرا لما أنبأه به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من سلامته، و كان أوّل من سجد شكرا، و أوّل من وضع وجهه على الأرض بعد سجدته من هذه الامّة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ثمّ رفع رأسه و قال: امض لما أمرت به فداك سمعي و بصري و سويداء قلبي، و مرني بما شئت أكن فيه كمسرتك، و أقع منه بحيث مرادك، و إن توفيقي إلّا باللّه.
قال: إنّي أخبرك يا علي إنّ اللّه يختبر أولياءه على قدر إيمانهم و منازلهم من دينه، فأشدّ الناس بلاء الأنبياء، ثمّ الأمثل فالأمثل، و قد امتحنك (١) اللّه يا ابن أم و امتحنني فيك بمثل ما امتحن اللّه به خليله إبراهيم و الذبيح إسماعيل، فصبرا صبرا فإنّ رحمة اللّه قريب من المحسنين، ثمّ ضمّه النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى صدره و بكى وجدا به و بكى علي (عليه السلام) حزنا (٢) لفراق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
و استتبع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أبا بكر بن أبي قحافة و هند بن أبي هالة و أمرهما أن ينتظراه بمكان عيّنه لهما من طريقه إلى الغار، و لبث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بمكانه يوصي عليّا و يأمره بالصبر، و خرج في فحمة العشاء (٣)، و الرصد (٤) من قريش قد طافوا بالدار ينتظرون أن ينتصف الليل و تنام الأعين، فخرج و هو يقرأ: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا (٥) الآية، و رماهم بقبضة من تراب فما شعروا به و مضى حتّى انتهى إلى صاحبيه، فنهضا معه و وصلوا إلى الغار، و رجع هند إلى مكّة بما أمره به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و دخل هو و أبو بكر إلى الغار.
فلمّا نامت الأعين أقبل القوم إلى علي قذفا (٦) بالحجارة و لا يشكّون أنّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، حتّى إذا برق الفجر و أشفقوا أن يفضحهم الصبح هجموا على علي (عليه السلام)، و كانت دور مكة يومئذ بغير أبواب، فلمّا بصر بهم عليّ قد انتضوا السيوف و أقبلوا
(١) امتحنه: اختبره.
(٢) و في نسخة «جزعا».
(٣) فحمة العشاء: ظلمته، يقال: أفحموا من الليل أي لا يسيروا في أوّل فحمته.
(٤) الراصد للشيء: الراقب له، يقال: رصده يرصده رصدا و رصدا، و الترصد: الترقب.
(٥) يس: ٩.
(٦) القذف بالحجارة الرمي بها، و ختله.