كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٣٧٠ - فصل في ذكر مناقب شتّى و أحاديث متفرّقة أوردها الرواة و المحدّثون و أخبار و آثار دالّة على ما نحن بصدده من ذكر فضله
و عن أبي وجزة السعدي (١) عن أبيه قال: أوصى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى الحسن بن علي (عليهما السلام) و قال فيما أوصى به إليه:
يا بني، لا فقر أشدّ من الجهل، و لا عدم أعدم من عدم العقل، و لا وحشة أوحش من العجب، و لا حسب كحسن الخلق، و لا ورع كالكف عن محارم اللّه، و لا عبادة كالتفكر في صنعة اللّه.
يا بني، العقل خليل المرء، و الحلم وزيره، و الرفق والده، و الصبر خير جنوده.
يا بني، إنّه لا بدّ للعاقل أن ينظر في شأنه فليحفظ لسانه، و ليعرف أهل زمانه.
يا بني، إنّ من البلاء الفاقة، و أشدّ من ذلك مرض البدن و أشدّ من ذلك مرض القلب، و إنّ من النعم سعة المال، و أفضل من ذلك صحّة البدن، و أفضل من ذلك تقوى القلوب.
يا بني، للمؤمن ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربّه، و ساعة يحاسب فيها نفسه، و ساعة يخلى فيها بين نفسه و لذّتها فيما يحلّ و يحمل، و ليس للمؤمن بدّ من أن يكون شاخصا في ثلاث (٢): مرمّة لمعاش، أو خطوة لمعاد، أو لذّة في غير محرم.
و عن ميثم التمّار رحمه اللّه و قد تقدم مثله و كان هذا الحديث أبسط فذكرته قال:
تمسينا ليلة عند أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال لنا: ليس من عبد امتحن اللّه قلبه للإيمان إلّا أصبح يجد مودّتنا على قلبه، و لا أصبح عبد ممّن سخط اللّه عليه إلّا يجد بغضنا على قلبه، و أصبحنا نفرح بحبّ المحبّ لنا، و نعرف بغض المبغض لنا، و أصبح محبّنا مغتبطا بحبّنا برحمة من اللّه ينتظرها كلّ يوم، و أصبح مبغضنا يؤسّس بنيانه على شفا جرف هار، فكان ذلك الشفاء قد انهار به في نار جهنّم، و كأن أبواب الرحمة قد فتحت لأهل الرحمة، فهنيئا لهم رحمتهم، و تعسا لأهل النّار مثواهم، إنّ عبدا لن يقصر في حبّنا لخير جعله اللّه في قلبه، و لن يحبّنا من يحبّ مبغضنا، إنّ ذلك لا يجتمع في قلب واحد و ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ (٣) يحب بهذا قوما و يحب بالآخر
(١) أبو وجزة- بالزاء المعجمة- هو يزيد بن عبيد السعدي المدني الشاعر المتوفى سنة ١٣٠ و هو من الثقات عند العامة.
(٢) قال ابن الأثير: يقال للرجل إذا أتاه ما يقلقه قد شخص به كأنّه رفعه من الأرض لقلقه و انزعاجه، و منه شخوص المسافر: خروجه عن منزله و منه حديث أبي أيوب فلم يزل شاخصا في سبيل اللّه.
(٣) الأحزاب: ٤.