ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى(ع) - الطبري، محب الدين - الصفحة ٢٦٩ - ذكر أنّه
فلمّا أتى لذلك أيّام دخل أبو طالب إلى منزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و معه جعفر، فنظر إلى رسول اللّه و عليّ بجنبه يصلّيان، فقال لجعفر: صلّ جناح ابن عمّك، فوقف جعفر بن أبي طالب من الجانب الآخر، فلمّا وقف جعفر على يساره بدر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من بينهما و تقدّم و أنشأ أبو طالب في ذلك شعرا:
إنّ عليّا و جعفرا ثقتي* * * عند ملمّ الزّمان و الكرب
و اللّه لا أخذل النّبيّ و لا* * * يخذله من بنيّ ذو نسب
(لا) تخذلا و انصرا ابن عمّكما* * * أخي لأمّي من بينهم و أبي
انظر، الدّيوان: ٤٢، تفسير الآلوسي: ٣٠/ ١٨٣، تفسير البحر المحيط لأبي حيّان الأندلسي:
٨/ ٤٨٩، شرح النّهج لابن أبي الحديد: ١٤/ ٧٦ دار إحياء الكتب العربيّة عام (١٩٦٧ م)، الإصابة لابن حجر العسقلاني: ٧/ ١٩٨، دار الكتب العلمية، العثمانية للجاحظ: ٢١٤.
إذا، ثلاثة لا رابع لهم ... الإمام المتبوع محمّد، و المأموم التّابع امرأة لا ثانية لها في النّساء، و رجل لا ثاني له في الرّجال ... سبق لم يكتب إلّا لعليّ و خديجة فقط لا غير.
و قال المخرّفون: أجل، و لكن عليّا كان غلاما، و أسلم غيره، و هو رجل كبير.
الجواب: و هنا يكمن السّر لعظمة عليّ و فضله على الجميع، لقد صادفت الظّروف أن ينشأ غير عليّ في حجر الشّرك الرّجس و عبادة الأصنام، و أن ينغمس في الجاهليّة و أوزارها إلى الآذان، و أن لا ينطق بالشّهادة إلّا بعد أن عصى عوده، و بعد أن شبعت الأصنام منه و من سجوده لها .. و شاء اللّه لعليّ أن ينشأ في حجر النّبوّة و الطّهر و الإيمان، و أن يؤمن بمحمّد، و هو ندي طري ينزّل الأصنام من على عروشها، و يضعها تحت أقدام الرّسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) ... شاء اللّه سبحانه أن يؤمن عليّ بمحمّد منذ طفولته، ليكفيه وفقا لإرادة اللّه و إرادته، و يهيئه لخلافته، و قديما قيل: «من شبّ على شيء شاب عليه» ... و على الأقل أن لا تتذبذب شخصيّته و إيمانه بين ماضيه و حاضره.
هذا، إلى أنّ عيسى (عليه السلام) حيث تكلّم كان في المهد صبيّا، و محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) لمع نور النّبوّة في جبينه ساعة ولادته، و كره الكذب، و الزّيف، و الخيانة، و عبادة الأصنام في طفولته، و كانت هذه من مكارم صفاته، و أقوى الدّلائل- عند جميع المسلمين- على أنّ ذاته القدسيّة تنطوي على سرّ النّبوّة من يومه الأوّل ...
و هكذا هو الشّأن في عليّ و طفولته فإنّها تحمل منذ وجودها و تكوينها بذرة الإمامة، و سرّ الخلافة عن الرّسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله).