المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٨٢ - مفهوم القرآن الكريم عن دور الإنسان في الحركة التاريخية
محدودة ، وهذه الرؤية المستقبلية المحدودة انتزع منها مثلها الأعلى .
في هذا المثل الأعلى جانب موضوعي صحيح ، لكنه يحتوي على إمكانات خطر كبير . أما الجانب الموضوعي الصحيح فهو إن الإنسان عبر مسيرته الطويلة لا يمكنه أن يستوعب المطلق ، لأن الذهن البشري محدود . والذهن المحدود لا يمكن أن يستوعب المطلق ، وإنما يستوعب نفحة من المطلق ، شيئاً من المطلق ، يأخذ بيده قبضة من المطلق تنير له الطريق ، فطبيعي وموضوعي وصحيح أن تكون دائرة الاستيعاب البشري محدودة .
لكن الخطير في هذه المسألة أنّ هذه القبضة التي يقبضها الإنسان من المطلق يحولّها إلى مثل أعلى ويحوّلها إلى مطلق . ويحوّل هذه الومضة من النور التي يقبضها من هذا المطلق إلى نور السماوات والأرض . هنا يكمن الخطر ؛ لأنّ مثل هذا المثل الأعلى سوف يخدم الإنسان في المرحلة الحاضرة ، وسوف يهيّئ له إمكانية النمو بقدر طاقات هذا المثل ، وبقدر إمكاناته المستقبلية ، وسوف يحرّك هذا الإنسان وينشّطه ، لكنّه سرعان ما يصل إلى حدوده القُصوى ؛ حينئذ سوف يتحوّل هذا المثل نفسه إلى قيد للمسيرة ، والى عائق عن التطوّر والى مجمّد لحركة الإنسان ؛ لأنّه أصبح مثلاً وإلهاً وديناً وواقعاً قائماً ، وحينئذ سيكون بنفسه عقبة أمام استمرار زحف الإنسان نحو كماله الحقيقي ، وهذا المثل الذي يُعمّم خطأً يُحوّل من محدود إلى مطلق خطأ .
هناك تعميمان خاطئان لهذا المثل :
ألف ـ التعميم الأفقي الخاطئ : أن ينتزع الإنسان من تصوّره المستقبلي مثالاً ، ويعتبر أنّ هذا المثل يضم كل قيم الإنسان التي يجاهد