المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ١٩٥ - المقاييس
ويصلون إلى ما يُدعى الأساس والجذر . ففي مدرسة الأنبياء يتربّى الإنسان بحيث يكون متعلقاً بعقيدته ومسلكه وإيمانه أكثر ممّا هو متعلّق بمصالحة الشخصية . فالواقع أنّ الأساس في هذه المدرسة هو الفكر والعقيدة ، وأمّا العمل أي علاقة الإنسان بالطبيعة أو بمواهبه الطبيعية أو بالمجتمع ، فهو البناء العلوي . وكل دعوة دينية أو مذهبية يجب أن تكون دائماً كدعوة الأنبياء مذكّرة بالمبدأ والمعاد . فالأنبياء كانوا يبعثون الحركة والنشاط في المجتمع بإيقاظ هذا الشعور ، وتنميته في الإنسان ، وإزاحة الغبار عن هذا الوجدان ، ونشر هذه المعرفة ، مع الاعتماد على رضا الله وأوامر الله وثوابه وعقابه . فقد ورد في ثلاثة عشر مورداً من القرآن التنويه على رضوان الله . وهذا تشجيع للمؤمنين في المجتمع بواسطة هذا الحافز المعنوي . ويصح أن نطلق على هذه المعرفة ، المعرفة الإلهية أو المعرفة الكونية .
والتعاليم الإسلامية في المرحلة الثانية هي التعاليم الإنسانية ، أي تنبيه الإنسان على كرامته وشرفه في ذاته ، وعلى عزّته ومجده الذاتيين . فالإنسان في هذه النظرية ليس ذلك الحيوان الذي يقال عنه : إنّه كان قبل مئات الملايين من السنين كسائر الحيوانات ، إلاّ أنّه في ميدان تنازع البقاء ، ما زال يخون الآخرين ويظلمهم ، حتى وصل إلى هذه الدرجة . بل هو موجود فيه نفخة من الروح الإلهية ، وقد سجدت له الملائكة ، وهو مدعو دائماً من قبل العرش الأعلى . وفي باطن هذا الموجود ـ بالرغم من ميوله الحيوانية والشهوانية نحو الشر والفساد ـ جوهر لطيف لا يلائم في ذاته الشر والظلم ، وسفك الدماء ، والكذب ، والفساد والذلّة والحقارة ، والتسليم للظلم والاستكبار ، فهو مظهر العزّة والكبرياء . ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) .