المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٨٩ - مفهوم القرآن الكريم عن دور الإنسان في الحركة التاريخية
الذهني للإنسان محدود ، والمثل الذي تتبنّاه المجموعة البشرية ينبغي أن يكون غير محدود ، وكيف يمكن التنسيق بين المحدود وغير المحدود .
هذا التنسيق سوف نجده في هذا المثل الأعلى ، وهو الله سبحانه وتعالى ؛ حيث سيحل التناقض الذي واجهناه بأروع صورة .
سبب هذا التنسيق يعود إلى أنّ هذا المثل الأعلى ليس من نتاج الإنسان ، وليس إفرازاً ذهنياً للإنسان ، بل هو مثل أعلى له واقع عيني ، هو موجود مطلق في الخارج ، له قدرته المطلقة وعلمه المطلق ، وعدله المطلق .
هذا الوجود العيني بواقعه العيني يكون مثلاً أعلى ؛ لأنّه مطلق ، لكنّ الإنسان حينما يريد أن يستلهم من هذا النور ويمسك بحزمة من هذا النور ، لا يمسك إلاّ بالمقيّد طبعاً ، لا يمسك إلاّ بقدر محدود من هذا النور ، لكنّه يميّز بين ما يمسك به وبين مثله الأعلى . هذا ، الحزمة مقيّدة لكنّ المثل الأعلى مطلق .
ومن هنا حرص الإسلام دائماً على التمييز بين الوجود الذهني ، وبين الله سبحانه وتعالى الذي هو المثل الأعلى . فرّق حتى بين الاسم والمسمّى وأكّد أنّه لا يجوز عبادة الاسم ، وإنّما تكون العبادة للمسمّى ؛ لأنّ الاسم ليس إلاّ وجوداً ذهنياً ، وليس إلاّ واجهة ذهنية لله سبحانه وتعالى ، والواجهات الذهنية محدودة دائماً ، العبادة يجب أن تكون للمسمّى لا للاسم ؛ لأنّ المسمّى هو المطلق ، أمّا الاسم فهو مقيد ومحدود . والواجهات الذهنية تبقى كواجهات ذهنية محدودة مرحلية ، وأمّا صفة المثل الأعلى فتبقى قائمة بالله سبحانه وتعالى .