المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٢٢ - الطريقة القرآنية في عرض سنن التاريخ
في هاتين الآيتين الكريمتين ، أُضيف الأجل إلى الأُمّة ، إلى الوجود المجموعي للناس ، لا إلى هذا الفرد أو ذاك الفرد بالذات . هناك إذن وراء الأجل المحدود المحتوم لكل إنسان بوصفه الفردي ، أجل آخر وميقات آخر للوجود الاجتماعي للأُمّة ، بوصفها مجتمعاً ينشئ ما بين أفراده العلاقات ، والصلات القائمة على مجموعة من الأفكار ، والمبادئ المسندة بمجموعة من القوى والقابليات .
هذا المجتمع ، الذي يعبّر عنه القرآن بالأُمّة ، له حياة وحركة وأجل وموت ، كما أنّ الفرد يتحرك فيكون حيّاً ثم يموت ، كذلك الأُمّة تكون حيّة ثم تموت ، وكما أنّ موت الفرد يخضع لأجل وقانون وناموس ، كذلك الأُمم لها آجالها المضبوطة المحدودة وفق نواميس معيّنة .
هاتان الآيتان الكريمتان فيهما عطاء واضح للفكرة الكلّية ، فكرة أنّ التاريخ له سنن تتحكّم به وراء السنن الشخصية التي تتحكم في الأفراد بهوياتهم الشخصية .
ويقول تعالى :
( أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) [١] .
ظاهر هذه الآية ، أنّ الأجل الذي يترقب أن يكون قريباً ، أو يهدد هؤلاء أن يكون قريباً هو الأجل الجماعي ، لا الأجل الفردي ؛ لأنّ قوماً بمجموعهم لا يموتون عادة في وقت واحد ، وإنّما الجماعة بوجودها المعنوي الكلّي هي التي يمكن أن يكون قد اقترب أجلها . فالأجل
[١] الأعراف : ١٨٥ .