المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٢١٥ - دور الشخصية في التاريخ
أنسوا به . والإنسان النابغة يحاول تغيير الوضع إلى وضع أحسن ومرحلة أعلى . وقد ادعى كارليل أنّ التاريخ يبتدئ من النوابغ والأبطال ، وهذه النظرية في الواقع تبتني على فرضيتين :
١ ـ إنّ المجتمع فاقد لطبيعة وشخصية خاصة به ، وليس تركيباً حقيقياً من الأفراد ، بل الأفراد كل مستقل عن الآخر ، ولا يحدث من التأثير المتقابل بينهم روح الجماعة ، ومركّب واقعي له شخصيته وطبيعته وقوانينه الخاصة . فالمجتمع ليس إلاّ الأفراد ونفسيات الأفراد فقط ، وعلاقة أفراد الإنسان في المجتمع من حيث الاستقلال نظير علاقة الأشجار في الغابة . والحوادث الاجتماعية ليست إلاّ مجموعة من الحوادث الفردية . ومن هنا فالمجتمع مسرح للاتفاقات والصدف التي هي نتائج للعلل والأسباب الجزئية دون العلل الكليّة والعامة .
٢ ـ إنّ أفراد الإنسان يختلفون اختلافاً فاحشاً من حيث الخلقة الأصلية . فمع أنّ أبناء آدم كلهم موجودات ثقافية وحضارية ، وبتعبير الفلاسفة حيوانات ناطقة . ولكن أكثر الأفراد ممّا يقارب المجموع يفقدون قدرة الإبداع والخلق ، فهم يستفيدون من الثقافة والحضارة ولا ينتجونهما . وهذا هو الذي يميّزهم عن الحيوانات التي لا تستفيد من الثقافة والحضارة . فالروح الغالبة على هؤلاء الأكثرين روح التقليد والتبعية وتكريم الأبطال . هذا ولكنّ النادر المعدود من البشر هم أبطال ونوابغ ، وهم فوق المستوى المتوسّط والعادي يستقلون في التفكير ويبدعون ويبتكرون ، ولهم العزيمة القوية وبذلك يمتازون عن الأكثرين ، فكأنهم من طينة وطبيعة أُخرى ، أو من عالم آخر ، فلو لم يبرز إلى الوجود النوابغ والأبطال في العلم والفلسفة والذوق والسياسة