المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ١٦٨ - النقـد
الناس . وأمّا أنّ منطق الأنبياء كان منطق التحرّك والتعقّل ، وعدم الاهتمام بالسنن والتقاليد ، فهو أمر طبيعي أيضاً ، إلاّ أنّ ذلك لم يكن من جهة تأثّرهم بالحرمان والغبن الطبقي والاستضعاف ، ولم يكن هذا المنطق انعكاساً قهرياً وطبيعياً لذلك الحرمان ، بل إنّ السبب في ذلك أنّهم كانوا قد بلغوا القمة في الرشد والكمال الإنساني ، أي في المنطق والعقل والعواطف والأحاسيس البشرية . وسيأتي أنّ البشر كلّما تعالى في الرشد والكمال الإنساني ؛ قلّ ارتباطه بالجو الطبيعي والاجتماعي والأوضاع المادية المحيطة به ، وقرب من الغنى والاستقلال الذاتي . فالمنطق المستقل للأنبياء كان يستوجب أن لا يتقيّدوا بالتقاليد والعادات والسنن القديمة ، وأن يمنعوا الناس من التقليد الأعمى لتلك السنن والتقاليد .
سادساً : إنّ ما قالوه حول الاستضعاف غير صحيح أيضاً ؛ وذلك لأنّ القرآن صرّح في آيات أُخرى بمصير التاريخ ومآله ، وبيّن فيها ضمناً مجرى التاريخ بوجه آخر ، وفي صورة أُخرى . وتلك الآيات تفسّر وتقيّد مفاد هذه الآية إذا افترضنا صحة ما فسّرت به . ومن جهة أُخرى فآية الاستضعاف ـ خلافاً لما هو المعروف ـ لم تبيّن قانوناً عامّاً ، حتى تحتاج في مقام المقايسة بسائر الآيات الواردة في هذا الباب إلى تفسير وتقييد ، بل هي مرتبطة بالآية السابقة والآية اللاحقة لها . وبملاحظة هاتين الآيتين يتضّح أنّ هذه الآية ليست بصدد بيان قانون عام على الوجه المذكور في الاستدلال . إذن فالبحث في هذه الآية من جهتين :
الجهة الأُولى : في مفاد الآية على افتراض فصلها عن الآيتين التي قبلها والتي بعدها ، وبناءاً على إفادتها قانوناً عامّاً تاريخياً ، ومع مقايستها بسائر الآيات ، التي وردت في بيان قانون تاريخي آخر مخالف لهذا القانون ، واستخراج النتيجة من ملاحظة المجموع .