المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ١٦٧ - النقـد
إنّما الكلام في أنّ الأنبياء هل يبدأون عملهم من الداخل أو من الخارج ؟ هل يبدأون بثورة داخلية عن طريق إيجاد العقيدة والإيمان والحماس المعنوي ، ثم يختارون الناس الواجدين للثورة التوحيدية الفكرية والإحساسية والعاطفية لثورة التوحيد الاجتماعي والإصلاح الاجتماعي ، وإقامة العدل والقسط ، أم أنّهم يبدأون بالتشديد على المحركات المادية ، أي يثيرون الناس عن طريق لفت الأنظار إلى أنواع الحرمان والغبن الاجتماعي والاستضعاف ، وبعد إبادة الشرك والتبعيض الاجتماعيين يبحثون عن الإيمان والعقيدة والأخلاق ؟
قليل من الدقّة والنظر في سيرة الأنبياء وأولياء الله تعالى يكفي للعلم بأنّهم ـ خلافاً للمصلحين أو المدّعين للإصلاح البشري ـ كانوا يبدأون من الفكر والعقيدة والإيمان والحماس المعنوي والحب الإلهي والتذكير بالمبدأ والمعاد . ويتضح ذلك بملاحظة ترتيب السور والآيات المنزلة من القرآن الكريم ، وأنّها بدأت من أي الأُمور ، وكذلك ملاحظة سيرة الرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، واختلافها من حيث الأُمور التي باشر بها في السنين الثلاثة عشر التي قضاها في مكّة ، والسنين العشرة التي قضاها في المدينة .
خامساً : إنّ ما قيل من أنّ منطق مخالفي الأنبياء منطق المحافظين ، فهو أمر طبيعي إلاّ أنّه إذا كان المستفاد من القرآن أنّ مخالفي الأنبياء على وجه العموم كان هذا منطقهم بلا استثناء صحّ الاستنتاج بأنّ المخالفين كلهم كانوا من الطبقة الثرية المترفة المستثمرة ، إلاّ أنّ المستفاد منه أنّ ذلك كان منطق زعماء المخالفين ، وهم الملأ والمستكبرون ، حيث إنّهم كانوا يملكون البضائع المادية للمجتمع ، كانوا أيضاً ـ كما يقول ماركس ـ يصدرون هذه البضاعة الفكرية لسائر