المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣١٠ - ج ـ الدليل العلمي
وهكذا الأمر في التفسير الماركسي للتأريخ ( المادية التأريخية ) ، فإنّه لا يمكن ـ حتى إذا افترضنا كفاءته لتفسير الواقع التأريخي ـ أن يكتسب الدرجة العلمية أو الوثوق العلمي ، ما لم يخرج عن كونه افتراضاً ويحصل على دليل علمي يدحض كل افتراض عداه في تفسير التاريخ .
ولنأخذ تفسير المادية التأريخية للدولة مثالاً لذلك ، فهي تفسّر نشوء الدولة ووجودها في حياة الإنسان على أساس العامل الاقتصادي والتناقض الطبقي ، فالمجتمع المتناقض طبقياً يلتهب فيه الصراع بين الطبقة القويّة المالكة لوسائل الإنتاج والطبقة الضعيفة التي لا تملك شيئاً ، فتقوم الطبقة الغالبة بإنشاء أداة سياسية لحماية مصالحها الاقتصادية ، والحفاظ على مركزها الرئيسي . وهذه الأداة السياسية هي الحكومة بمختلف أشكالها التأريخية .
وهذا التفسير الماركسي للدولة أو الحكومة لا يكتسب قيمة علمية مؤكّدة إلاّ إذا أفلست كلّ التفاسير التي يمكن أن يُبرَر بها نشوء الدولة في المجتمع البشري ، سوى كونها أداة سياسية للاستغلال الطبقي . وأمّا إذا استطعنا أن نفسّر هذه الظاهرة الاجتماعية على أساس آخر ، ولم يدحض الدليل العلمي ذلك فليس التفسير الماركسي عندئذٍ إلاّ افتراضاً من عدّة افتراضات .
فلن يكون التفسير الماركسي تفسيراً علمياً إذا أمكن ـ مثلاً ـ أن نفسّر نشوء الدولة على أساس تعقيد الحياة المدنية . ونبرر بذلك قيام الدولة في كثير من المجتمعات البشرية ، ففي مصر القديمة ـ مثلاً ـ لم تكن الحياة الاجتماعية فيها ممكنة بدون جهود معقّدة جسيمة ، وعمل واسع شامل لتنظيم جريان وفيضان الأنهر الكبيرة ، وتنظيم