المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٩٤ - مفهوم القرآن الكريم عن دور الإنسان في الحركة التاريخية
فالمسؤولية الحقيقية لا تقوم إلاّ بين جهتين : بين مسئول ومسئول لديه . إذا لم تكن هناك جهة أعلى من هذا الكائن المسؤول ، وإذا لم يكن هذا الكائن المسؤول مؤمناً بأنه بين يدي جهة أعلى ، لا يمكن أن يكون شعوره بالمسؤولية شعوراً موضوعياً حقيقياً ، لا يمكن للإنسان أن يستشعر حقيقة المسؤولية بصورة موضوعية تجاه ما يفرزه هو ، وتجاه ما يصنعه هو من آلهة ومن أقزام متعملقة : ( إنْ هي إلاّ أسماء سمّيتمُوها ) .
تلك المثل لا تصنع الشعور الموضوعي بالمسؤولية ، بل قد تصنع قوانين وعادات وأخلاق ، لكن كل ما تصنعه فهو عطاء ظاهري . وكلّما وجد الإنسان مجالاً للتحلّل من هذه العادات والأخلاق والقوانين فسوف يتحلّل .
أمّا المثل الأعلى لدين التوحيد للأنبياء على مرّ التاريخ ، فهو ليس إفرازاً بشرياً ، وليس إنتاجاً إنسانياً ؛ لأنّه واقع عيني منفصل عن الإنسان ، وجهة أعلى من الإنسان .
من هنا كان الأنبياء على مر التاريخ أصلب الثوار ، وأنظف الثوّار على الساحة التاريخية . ومن هنا كانوا فوق كل مهادنة ومساومة ، وفوق كل تململ نحو يمنة أو يسرة . عن الرسالة التي بيده وعن الكتاب الذي يحمله من السماء ؛ لأنّ المثل الأعلى المنفصل عنه ، والذي فوقه هو الذي أعطاه نفحة موضوعية من الشعور بالمسؤولية ، وهذا الشعور بالمسؤولية تجسّد في كل كيانه ومشاعره وأفكاره وعواطفه ؛ ومن هنا كان النبي معصوماً على مرّ التاريخ .
هذا المثل الأعلى إذن يحدث تغييراً كيفيّاً على المسيرة ؛ لأنّه يمنح الشعور