المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٤٤ - الظواهر التي تدخل في نطاق سنن التاريخ
( وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [١] .
القرآن يتحدث هنا عن أُمّة جاثية بين يدي ربّها . ويقدم لها كتابها ، يقدم لها سجلّ نشاطها الذي مارسته كأُمّة . هذا الكتاب ليس كتاب تاريخ الطبري ؛ لأنّه لا يسجل الوقائع الطبيعية الفسلجية أو الفيزيائية إنما يستنسخ ما كانوا يعملون كأُمّة ، يستنسخ الأعمال الهادفة ذات الأبعاد الثلاثة وذات الموج ، بحيث يكون العمل منسوباً للأُمّة ، وتكون الأُمّة مدعوّة إلى كتابها ، ونلاحظ في آية أُخرى قوله سبحانه وتعالى :
( وَكُلَّ إنسان أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) [٢] .
الإنسان في هذه الآية هو المرهون بكتابه . فلكل إنسان كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من أعماله ، من حسناته وسيئاته وهفواته وسقطاته ، من صعوده ونزوله إلاّ أحصاها ، هذا الكتاب دُوِن بعلم مَن لا يغرُبُ عن علمه مثقال ذرة في الأرض . قد يفكّر الإنسان أنّ بإمكانه أن يُخفي نقطة ضعفٍ فيه ، وأن يخفي ذنباً وسيّئة عن جيرانه وقومه وأُمّته وأولاده ، بل وحتى عن نفسه . قد يخدعُ نفسَه ، ويرى أنّه لم يرتكب سيّئة ، لكنّ هذا الكتاب الحقّ لا يُغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها . هذا كتاب الفرد ، وذاك كتابُ الأُمّة .
[١] الجاثية : ٢٨ ـ ٢٩ .
[٢] الإسراء : ١٣ .