المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٣٢ - الطريقة القرآنية في عرض سنن التاريخ
السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) [١] .
من مجموع هذه الآيات يتبلور المفهوم القرآني ، الذي يقرّر أنّ الساحة التاريخية مثلُ كلّ الساحات الكونية الأُخرى ، لها سنن وضوابط .
هذا المفهوم القرآني يُعتبر فتحاً عظيماً للقرآن الكريم ، لأنّ القرآن ـ بحدود ما نعلم ـ أوّل كتاب عرفه الإنسان ضمّ بين دفّتيه هذا المفهوم وكشف عنه ، وأصرّ عليه ، وقاوم بكل ما لديه من وسائل الإقناع والتفهيم النظرة العفوية ، أو النظرةَ الغيبية الاستسلامية لتفسير الأحداث .
كانت النظرةُ السائدة تتجه نحو تفسير أحداث التاريخ ، بوصفها كومة متراكمة من الأحداث ، على أساس الصدفة تارة ، وعلى أساس القضاء والقدر والاستسلام لأمر الله سبحانه وتعالى تارة أُخرى .
القرآن الكريم قاوم هذه النظرة العفوية ، وقاوم النظرة الاستسلامية ونبّه العقل البشري إلى أنّ لهذه الساحة سنناً وقوانين .
وحثّ الإنسان على أن يكتشف هذه القوانين ، ويتعرّف عليها من أجل أن يكون إنساناً فاعلاً ، ومن أجل أن يتحكّم في هذه القوانين وإلاّ حكمت هذه السنن في الإنسان وهو مغمض العينين . وقال له : افتح عينيك على هذه القوانين وعلى هذه السنن لكي تكون أنت المتحكّم فيها ، لا أنْ تكون هذه السنن هي المتحكّمة فيك .
هذا الفتح القرآني الجليل هو الذي مهّد إلى تنبيه الفكر البشري بعد ذلك بقرون ، إلى أن تجري محاولات لفهم التاريخ فهماً علمياً .
[١] ق : ٣٦ ـ ٣٧ .