المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٥٩ - المجتمعات في المستقبل
ومسخ الإنسان وعدم مسخه إنّما يتبيّن بملاحظة المقاييس الفطرية والنوعية للإنسان ، لا بالقياس إلى تاريخه القديم . فكل دراسة وثقافة تطابق الفطرة الأصلية للإنسان وتنمّيها هي الثقافة الأصلية ، وإن لم تكن أول ثقافة أجبره على اقتنائها التاريخ . وكل ثقافة لا تطابق الفطرة الأصلية له أجنبية عنه ، وتوجب مسخه وتغييره عن هويته الواقعية ، وتبدل ذاته الأصلية إلى ذات أجنبية ، وإن كانت وليدة التاريخ القومي له . فمثلاً فكرة الثنوية وتقديس النار ؛ مسخ لإنسانية الإنسان الإيراني ، وإن عُدّت وليدة تاريخه القديم . ولكنّ فكرة التوحيد وعبادة الإله الواحد ونفي عبادة غير الله ؛ رجوع إلى الهوية الواقعية الإنسانية له ، وإن كانت وليدة منطقة أُخرى .
وأمّا الثانية ، فقد افترض فيها ـ خطأ ـ أنّ عناصر الثقافة الإنسانية كالمادة الأُولى ليس لها شكل وتعيّن خاص ، وأنّ التاريخ هو الذي يصنع شكلها وكيفيّتها ، بمعنى أنّ الفلسفة والعلم والدين والأخلاق والفن لا يؤثر في ماهيّتها الشكل الخاص والصبغة الخاصة ، فالكيفية والشكل والصبغة في هذه العناصر أمور نسبيّة ترتبط بالتاريخ ، فتاريخ كل قوم وثقافتهم يصنعان فلسفتهم وعلمهم ودينهم وأخلاقهم وفنّهم بوجهٍ خاص .
وبعبارة أُخرى : كما أنّ الإنسان في ذاته فاقد للهوية والشكل الخاص ، والثقافة القومية هي التي تمنحه شكله وهويته ، كذلك العناصر الأصلية في ثقافة الإنسان فهي أيضاً فاقدة في ذاتها للشكل والصبغة ، وليس لها وجه خاص ، والتاريخ هو الذي يمنحها كل ذلك ويسمها بطابعها الخاص ، وهناك مَن أفرط في هذه النظرية حتى قال إنّ