المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ١٦٤ - النقـد
قال تعالى : ( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ) [١] .
فالقرآن يقدّر ويعظّم الهداية والإرشاد والتذكير والوعظ والبرهان والاستدلال المنطقي ( الذي يعبّر عنه القرآن بالحكمة ) . فمن وجهة نظر القرآن يمكن لهذه الأُمور أن تغيّر الإنسان ومجرى حياته ، وتبدّل شخصيته ، وتحقّق في باطنه ثورة معنوية . والقرآن يرى للإيديولوجية والتفكير دوراً غير محدود ، خلافاً للماركسية والمادية التي تحصر دور الهداية والإرشاد في تبديل طبقة في نفسها إلى طبقة لنفسها . أي إدخال التضاد الطبقي في مرحلة الشعور فقط .
ثانياً : إنّ ما قيل من أنّ المخاطب في القرآن هو الناس ، والمراد به الجماهير المحرومة ، فالمخاطب في الإسلام هو الطبقة المحرومة ، والإيديولوجية الإسلامية إيديولوجية الطبقة المحرومة , والإسلام يخاطب أتباعه وجيوشه من المحرومين فقط ، خطأ أيضاً . نعم ، الإسلام يخاطب الناس ، ولكن الناس هم البشر ، أي عامة أفراد الإنسان . ولا يوجد في أي معجم أو أي عرف عربي تفسير الناس بالطبقة المحرومة ، ولا يشتمل على مفهوم الطبقة أصلا ً . قال تعالى : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) . هل يمكن تفسير هذا الخطاب بأنّه موجّه إلى المحرومين ؟! وهكذا سائر الخطابات الموجّهة بعنوان ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ) وهي كثيرة في القرآن ، ولا يقصد بشيء منها الجماهير المحرومة ، بل المراد عموم الناس . والعمومية في خطابات القرآن تنبع من نظرية الفطرة الواردة فيه .
[١] النازعات / ١٧ ـ ١٩ . راجع أيضاً سورة طه / ٤٤ ـ ٤٥ .