المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٧٧ - مفهوم القرآن الكريم عن دور الإنسان في الحركة التاريخية
فرعون وملؤه يصرّحون بأنّنا غير مستعدّين أن نؤمن بهذا المثل الأعلى الذي جاء به موسى ؛ لأنّه سوف يزعزع عبادة قوم موسى وهارون لنا .
القرآن الكريم يسمّي هذا النوع من القوى التي تحاول أن تحوّل هذا الواقع المحدود إلى مطلق ، وتحصر الجماعة البشرية في إطار هذا المحدود ، يسمّي هذا بالطاغوت .
قال الله سبحانه :
( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ ) [١] .
هذه الآية تشير أيضاً إلى صفة أساسية مميّزة لمَن اجتنب عبادة الطاغوت وهي : ( يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) . أي إنّهم لم يجعلوا قيداً على ذهنهم ، ولم يخلقوا لهم إطاراً لا يمكنهم أن يتجاوزوه ، بل جعلوا الحقيقة مدارهم وهدفهم ؛ ولهذا فهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، أي إنّهم في حالة تطلع وموضوعية تسمح لهم بأن يجدوا الحقيقة ويتّبعونها . بينما لو كانوا يعبدون الطاغوت لما استطاعوا أن يستمعوا القول فيتبعون أحسنه ، وإنّما يتبعون فقط ما يراد أن يتّبعوه .
هذه المُثُل العليا المنخفضة المنتزعة عن الواقع تتخذ في كثير من الأحيان طابع ( الدين ) ويسبغ عليها هذا الطابع من أجل إعطائها قدسية تحافظ على بقائها واستمرارها على الساحة .
[١] الزمر : ١٧ ـ ١٨ .