المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٧٦ - مفهوم القرآن الكريم عن دور الإنسان في الحركة التاريخية
الذي سيطروا عليه ، يجدون في ذلك زعزعة لوجودهم وهزاً لمراكزهم ؛ من هنا كان من مصلحة فرعون على مرّ التاريخ أن يغمض عيون الناس على هذا الواقع ، أن يحوّل الواقع الذي يعيشه مع الناس إلى مطلق ، إلى إله ، إلى مثل أعلى لا يمكن تجاوزه . يحاول أن يحبس كل الأُمّة في إطار نظرته هو ، وفي أطار وجوده هو ، لكي لا يمكن لهذه الأُمّة أن تفتّش عن مثل أعلى ينقلها من الحاضر إلى المستقبل ، ومن واقعه إلى طموح آخر أو إلى واقع أكبر من هذا الواقع .
هنا السبب اجتماعي لا نفسي ، وخارجي لا داخلي ، وهذا أيضاً ما عرضه القرآن الكريم :
( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) [١] .
( قالَ فرعونُ ما أراكُمْ إلاّ ما أرى وما أهديكم إلاّ سبيلَ الرشاد ) [٢] .
يقول فرعون هنا : ما أراكم إلاّ ما أرى ، أي يريد أن يضع الناس الذين يعبدونه كلهم في إطار رؤيته ونظرته ، يريد أن يحوّل هذه النظرة وهذا الواقع إلى مطلق لا يمكن تجاوزه .
وقال سبحانه وتعالى :
( ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ * فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ) [٣] .
[١] القصص : ٣٨ .
[٢] غافر : ٢٩ .
[٣] المؤمنون : ٤٥ ـ ٤٧ .