المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٥٤ - أشكال السنّة التاريخية في القرآن
التاريخية ، أي على السنّة التاريخية المصاغة بلغة القضية الفعلية الوجودية الناجزة .
والحق إنّا لو قصرنا النظر على هذا الشكل الثاني من سنن التاريخ ؛ لكان هذا التوهّم وارداً . ولكن يمكن إبطال هذا التوهّم عن طريق الالتفات إلى الشكل الأول من أشكال السنّة التاريخية الذي تصاغ فيه السنّة التاريخية بوصفها قضية شرطية . وكثيراً ما تكون هذه القضية الشرطية معبّرة عن إرادة الإنسان واختياره ، أي إنّ اختيار الإنسان يمثّل محور القضية الشرطية ، وشرط القضية الشرطية .
الأمثلة التي ذكرناها من القرآن الكريم تتحدث عن علاقة بين الشرط والجزاء ، ولكن ما هو الشرط ؟ الشرط هو فعل الإنسان ، وهو إرادة الإنسان ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) . التغيير هنا أُسند إليهم ، فهو فعلهم وإبداعهم وإرادتهم . وفي مثل هذه الحالة تصبح هذه السنّة متلائمة تماماً مع اختيار الإنسان ، بل إنّ السنّة حينئذ تقتضي اختيار الإنسان وتزيده اختياراً وقدرة وتمكّناً من التصرّف في موقفه .
كما أنّ ذلك القانون الطبيعي للغليان يزيد قدرة الإنسان ؛ لأنّه يستطيع حينئذ أن يتحكّم في الغليان بعد أن عرف شروطه وظروفه ، كذلك السنن التاريخية ذات الصيغ الشرطية . فهي ليست في الحقيقة على حساب إرادة الإنسان ، وليست نقيضاً لاختيار الإنسان ، بل هي مؤكّدة لاختيار الإنسان وتوضّح للإنسان نتائج يستطيع أن يقتبس منها ما يريد ؛ كي يتعرّف على الطريق الذي يؤدّي به إلى هذه النتيجة ، أو تلك النتيجة فيسير على ضوء وكتاب منير .