المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٧٦ - العِلّيّة في التاريخ
وحرية الإنسان بالمعنى المشار إليه لا تنافي قانون العلّية ، ولا عمومية المسائل التاريخية وقانونيتها ، نعم للإنسان بمقتضى فهمه ودرايته مسير معين ومشخّص لا يمكن التخلّف عنه في الحياة الاجتماعية بالرغم من اختياره وإرادته ، بمعنى أنّه ضرورة بالاختيار ، وهذه ليست كالضرورة العمياء التي تتحكّم في إرادة الإنسان .
وهناك إشكال آخر في قانونية المسائل التاريخية وعموميتها ، وهو أنّ المستفاد من مراجعة الحوادث والوقائع التاريخية أنّ هناك بعض الحوادث الجزئية على سبيل الصدفة تغيّر مسيرة التاريخ .
والمراد من الصدفة ليس ـ كما يُتوهّم ـ ما يحدث من دون علّة ، بل ما لا ينشأ من العلل العامة ؛ ولذلك لا تندرج تحت ضابطة كلّيّة ، فإن كان للحوادث التي ليست لها ضابطة عامة دور أساسي في حركة التاريخ لزم أن يكون التاريخ فارغاً من أي قانون وقاعدة وسنّة جارية معيّنة . ولقد ضرب المثل في الحوادث التاريخية الاتفاقية المؤثِّرة في مجرى التاريخ بأنف كليوبترة ملكة مصر الشهيرة . وهناك كثير من الحوادث الجزئية الاتفاقية غيّرت مجرى التاريخ . وقد اشتهر ( في المثل الفارسي ) أنّ صحيفة الأيام تتغيّر بجريان نسيم واحد .
يقول ( ادوارد هالت كار ) في كتاب ( تاريخ جيست ) : ( والسبب الآخر للتهجّم على جبر التاريخ وهو اللغز المعروف ( أنف كليوبتره ) . وهذه هي تلك النظرية التي تعتبر التاريخ فصلاً من عوارض مجموعة من الحوادث الاتفاقية تقريباً ، وتنسبها إلى الصدفة . فنتائج حرب اكتيوم لا ترتبط بالعلل التي يربطها بها المؤرّخون عموماً ، ويعتبرونه من المسلَّمات ، بل إنّ السبب في ذلك هو حبّ انطونيو لكليوبتره . وحينما توقّف بايزيد عن التقدّم في أوروبا المركزية