المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٢٩٧ - أ ـ الدليل الفلسفي
هذا هو الدليل الفلسفي ، وقد حرصنا على عرضه بأفضل صورة ممكنة ، ويعدّ أهم كتاب استهدف بمجموعة بحوثه كلّها التركيز على هذا اللون من الاستدلال : ( فلسفة التأريخ ) ، للكاتب الماركسي الكبير بليخانوف وقد لخصنا
الدليل الآنف الذكر من مجموعة بحوثه .
والآن بعد أن أدركنا الدليل الفلسفي للنظرية بشكلٍ جيد ، أصبح من الضروري تحليل هذا الدليل ودرسه في حدود الضرورة الفلسفية القائلة : إنّ الأحداث لا تنشأ صدفة ( مبدأ العلّية ) .
فهل هذا الدليل الفلسفي صحيح ؟ هل صحيح أنّ التفسير الوحيد الذي تنحلّ به المشكلة الفلسفية للتأريخ هو تفسيره بوسائل الإنتاج ؟
ولكي نمهّد للجواب على هذا السؤال نتناول نقطة واحدة بالتحليل تتصل بوسائل الإنتاج ، التي اعتبرتها الماركسية السبب الأصيل للتأريخ ، وهذه النقطة هي : أنّ وسائل الإنتاج ليست جامدة ثابتة ، بل هي بدورها أيضاً تتغيّر وتتطوّر على مرّ الزمن كما تتغيّر أفكار الإنسان وأوضاعه الاجتماعية ، فتموت وسيلة إنتاج وتولد وسيلة أخرى . فمن حقّنا أن نتساءل : عن السبب الأعمق الذي يطوّر القوى المنتجة ، ويكمن وراء تأريخها الطويل ، كما تساءلنا عن الأسباب والعوامل التي تصنع الأفكار ، أو تصنع الأوضاع الاجتماعية .
ونحن حين نتقدّم بهذا السؤال إلى بليخانوف ـ صاحب الدليل الفلسفي ـ وأضرابه من كبار الماركسيين ، لا ننتظر منهم الاعتراف بوجود سبب أعمق للتأريخ وراء القوى المنتجة ؛ لأنّ ذلك يناقض الفكرة الأساسية في المادية التأريخية ، القائلة بأنّ وسائل الإنتاج هي المرجع الأعلى في دنيا التأريخ . ولهذا فإنّ هؤلاء حين يجيبون على سؤالنا يحاولون أن يفسّروا تأريخ القوى المنتجة وتطوّرها بالقوى