المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٩٩ - أُصول النظرية المادية التاريخية
ولا يريد أحد من هؤلاء العلماء أن يثبت الذات الإنسانية من هذه الطرق المختلفة ، ووراء هذه الأُمور ( الفكر ، الاستمرار ، العصيان ، وغير ذلك ) . بل إنّ بعضهم لا يقول بوجود للإنسان وراء هذه الأُمور ، بل إنّ كلاًّ منهم يريد أن يبيّن ضمناً جوهر الإنسانية وواقعيتها الوجودية . فمثلاً ديكارت يريد أن يقول ضمناً أنّ وجودي يساوي وجود الفكر ، فإذا لم يكن هناك تفكير فلست موجوداً . ويريد بريجسون أن يقول : أنّ وجود الإنسان هو وجود الاستمرار والزمان .
ويريد سارتر أن يقول : إنّ جوهر الإنسان وواقعه الوجودي هو تمرّده وعصيانه ، فإذا سلب منه التمرّد والعصيان لم يكن إنساناً . ويريد ماركس بدوره أن يقول : إنّ وجود الإنسان الواقعي ، هو العمل ، فهو جوهر الإنسانية ، فقوله ( أنا أعمل فأنا موجود ) ليس معناه أنّ العمل دليل وجوده ، بل معناه أنّ العمل هو عين وجوده ، وأنّه وجوده الواقعي .
وإذا سمعنا ماركس يقول : ( إنّ ما يدعى بالتاريخ العلمي ليس لدى الإنسان الاشتراكي إلاّ صنع الإنسان بواسطة العمل البشري ) [١] . وإذا سمعناه يفرّق بين الشعور الإنساني ووجوده الواقعي ، حيث يقول : ( إنّ شعور الإنسان لا يعين وجوده بل الأمر بالعكس ، فالوجود الاجتماعي للإنسان يعين شعوره ) [٢] .
أو يقول : ( إنّ المقدمات التي نبتدئ منها ليست أُصولاً ذاتية وحتمية ، بل أعمال أفراد واقعيين وأوضاعهم الوجودية المادية ) . ثم يوضح المراد من الأفراد الواقعيين ، فيقول : ( ولكن هؤلاء الأفراد ليسوا على ذلك الوجه الذي يبرز في تصوراتهم ، بل على ذلك الوجه الذي ينتج بصورة مادية ويصنع ، أي ذلك الوجه
[١] ماركس وماركسيسم ص٤٠ نقلاً عن ( اقتصاد سياسي ماركس ) .
[٢] تجديد نظر طلبي ص١٥٣ .