المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ١٧٥ - النقـد
أضف إلى ذلك أنّ في الآية ملاحظة أُخرى ، وهي أنّ جملة ( ونجعلهم ) معطوفة على جملة ( أن نمّن ) ، فتفيد أنّ المنّة عليهم بشيء غير جعلهم أئمّة ، ولم يقل ( بأن نجعلهم . . ) حتّى تفيد أنّ المنّة عليهم متعلقة بإعطاء الإمامة والوراثة ، كما تعارف تفسر الآية به . إذن فالمستفاد من الآية أننا أردنا أن نمّن على أولئك المستضعفين بإرسال الرّسول والكتاب السماوي ( موسى ـ عليه السلام ـ والتوراة ) ، والتعليم والتربية الدينية ، وإيجاد عقيدة التوحيد ، وأن نجعلهم من المؤمنين والصالحين ، وبالتالي نجعلهم أئمّة ونجعلهم الوارثين . فالآية تريد أن تقول : ( ونريد أن نمّن على الذين استضعفوا ) بموسى والكتاب الذي نزّل على موسى ( ونجعلهم أئمّة . . ) .
بناءاً على ذلك فمفاد آية الاستضعاف ، وإن كان خاصاً إلاّ أنّه بعينه هو مفاد آية الاستخلاف ، أي إنّ الآية تبيّن مصداقاً من مصاديق تلك الآية . وهذا ـ مضافاً إلى أنّه يستفاد من عطف جملة ( ونجعلهم أئمّة . . ) على جملة ( أن نمنّ ) ـ واضح في نفسه بحيث لا يحتمل أن تفيد الآية أنّ بني إسرائيل وصلوا إلى الإمامة والوراثة لأنّهم كانوا مستضعفين ، سواء كان موسى يبعث بالنبوّة أم لا ، وسواء كانت رسالة السماء تنزل عليهم أم لا ، وسواء كانوا يؤمنون بها أم لا .
ولعلّ أنصار نظرية المادية التاريخية يقولون : إنّ الثقافة الإسلامية من حيث الرّوح والمعنى إمّا أن تكون ثقافة الطبقة المستضعفة ، أو ثقافة الطبقة المستكبرة ، أو ثقافة جامعة بينهما . فإن صحّ الافتراض الأول لزم أن تأخذ صبغة تلك الطبقة ، وأن يكون محور ثقافته الطبقة المستضعفة من حيث المخاطب والرسالة والموقف الاجتماعي . وإنّ صحّ الافتراض