المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٥٥ - أشكال السنّة التاريخية في القرآن
٣ ـ شكل الاتجاه الطبيعي في حركة التاريخ :
وهو الشكل الذي اهتم به القرآن الكريم اهتماماً كبيراً . والسنّة المصاغة بهذا الشكل تتخذ صورة اتجاه طبيعي في حركة التاريخ لا صورة قانون حدّي صارم . وفرقٌ بين الاتجاه والقانون .
ولتوضيح هذه الفكرة نقول : إنّ القانون العلمي ـ كما نتصوّره عادة ـ عبارة عن تلك السنّة التي لا تقبل التحدّي من قِبلَ الإنسان ؛ لأنّها قانون من قوانين الطبيعة ، ومن هنا لا يمكن للإنسان أن يتحدّاها وينقضها ويخرج عن طاعتها ، فلا يمكنه مثلاً أن يحول دون غليان الماء إذا توفّرت للماء شروط الغليان ، لا يمكن أن يتحدّى الغليان ، أو يؤخّر موعده المعيّن لحظة واحدة ؛ لأنّ هذا القانون صارم ، والصرامة تأبى التحدّي .
هذه هي الفكرة التي نتصوّرها عادةً عن القوانين ، وهي فكرة صحيحة إلى حدٍّ ما ، إلى جانب هذه القوانين هناك اتجاهات موضوعية في حركة التاريخ وفي مسار الإنسان ، هذه الاتجاهات لها شيء من المرونة بحيث إنّها تقبل التحدّي ولو على شوط قصير ، وإنْ لم تقبل التحدّي على شوط طويل .
أنت لا تستطيع أن تؤخّر موعد غليان الماء لحظة واحدة . ولكن تستطيع أن تجمّد هذه الاتجاهات لحظات من عمر التاريخ . وهذا لا يعني أنّها ليست اتجاهات تمثّل واقعاً موضوعياً في حركة التاريخ ، إنّها اتجاهات ، لكنّها مرنة تقبل التحدّي على شوط قصير ، غير أنّها تحطم المتحدّي بسنن التاريخ نفسها .
من اجل تقريب الفكرة نستطيع أن نقول أنّ هناك في تركيب