المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ١٠٣ - أُصول النظرية المادية التاريخية
ويمكن أن يقال : إنّ التفكير الماركسي حول العمل الاجتماعي ، وسيطرته ونفوذه على شعور الإنسان وإرادته ، يشبه من جهة ما يقوله بعض الحكماء الإلهيين في النشاط الجسمي اللاشعوري للإنسان ، كنشاط الجهاز الهضمي ، والقلب والكبد ونحوها تحت نفوذ الإرادة الخفية للنفس التي يُعبّر عنها بـ ( واحدي التعلّق ) . فهؤلاء الحكماء يقولون بأنّ الميول والإرادات ودرك الضرورات وجوداً وعدماً ، وبكلمة واحدة كل ما يرتبط بالجانب العملي للنفس ، أي الجانب السفلي والتدبيري ، وما يتعلق بالبدن ممّا يحكم فيه الذهن على مستوى الشعور والإدراك ، كل ذلك انعكاسات لمجموعة من الحاجات الطبيعية , والذهن الشعوري يقع قي ذلك تحت تدبير الإرادة الخفية للنفس قهراً وجبراً ، من دون أن يعلم بمنشأ هذه الأُمور .
ويشبه أيضاً ما يقوله فرويد فيما يعبّر عنه اصطلاحاً بالشعور الباطن أو اللاشعور ، وأنّه متسلّط على الشعور والإدراك .
هذا مع اختلاف بينهما ، حيث إنّ نظرية الحكماء السابقين وما يقوله فرويد يختصان ـ أولاً ـ بقسم من الشعور الظاهر ، وثانياً بتسلّط شعور خفي ، مضافاً إلى أنّ ما قالوه لا يرتبط بأمر خارج عن وجود الإنسان ، وما يقوله ماركس يرتبط بأمر خارج عنه . والواقع أنّ ما يقوله ماركس إذا تأمّلنا فيه كان محيّراً للغاية من وجهة النظر الفلسفية .
ثم إنّ ماركس يوازن بين نظريته والنظرية البيولوجية لداروين ، حيث أثبت أنّ أمراً ما خارجاً عن إرادة الحيوان وشعوره يؤثّر في تركيب جسم الحيوان تدريجياً ولا شعورياً . وماركس أيضاً يدعي بأنّ عاملاً أعمى ( وهو حقيقة الإنسان أيضاً ) يؤثّر تدريجياً ولا شعورياً في تشكيل