المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ١٠٢ - أُصول النظرية المادية التاريخية
ومن هنا تبيّن الفرق بين نظرية ماركس وساير الماديين في حقيقة التاريخ . فكل مفكّر مادي بمقتضى اعتقاده بأنّ الإنسان ، وجميع مظاهره الوجودية مادية محضة لا بد من أن يرى هوية التاريخ مادية أيضاً . ولكن ماركس لا يكتفي بهذا الحد ، بل يقول إنّ هويته اقتصادية . ثم يقول في الاقتصاد بأنّ علاقات الإنتاج ، أو علاقات الملكية ونتيجة العمل أُمور ضرورية جبرية ، وهي ليست إلاّ انعكاسات لمرحلة خاصة من تطوّر وسائل الإنتاج ، أي العمل المتجسّد . إذن فالواقع أنّ هوية التاريخ ( وسائلية ) . ومن هنا عبرّنا في بعض رسائلنا عن نظرية المادية التاريخية الماركسية بالنظرية الوسائلية . في قبال ما نقول به ، وهو النظرية الإنسانية في التاريخ ، حيث نعتقد أنّ ماهيّته إنسانية .
والواقع أنّ ماركس قد توغّل في فلسفة العمل ، وبالغ في نظريته حول العمل الاجتماعي ، حيث لا بد من أن يقول على وجه الدقّة حسب هذه النظرية : إنّ أفراد الإنسان في الواقع ليسوا هم الذين يمشون في الشوارع والأسواق ، ويفكّرون ويريدون ، بل أفراد الإنسان الواقعيين هي تلك الوسائل والآلات التي تحرّك المصانع مثلاً . والأشخاص الذين يتكلمون ويمشون ويفكرون هم مُثُل الإنسان لا أعيانه . فماركس يفكر حول العمل الاجتماعي ووسائل الإنتاج ، وكأنّه يفكر حول موجود حي ينمو ويتطور جبراً وضرورة في ذاته ، وبصورة عمياء ، وبالاستقلال عن تأثير إرادة ( المثل ) ، أي مظاهر الإنسان . بل يؤثر في إرادة تلك المثل وأفكارهم ـ وهم أصحاب الفكر والإرادة ـ ويجعلها تحت نفوذه وسيطرته جبراً وقهراً ، ويجرّها خلفه .