المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٨٨ - أُصول النظرية المادية التاريخية
الفلسفة تجعل القدرة بديلاً للإيمان بالظنون ، وتؤيّد هيجل في قوله : ( الوجود الحقيقي للإنسان في المرحلة الأُولى هو عمله ) . وتلتحق أيضاً في هذه العقيدة بأخلص مفكّر ألماني حيث قلب الكلمة المشهورة : ( إنّ أول الأشياء هو الفعل ) أي الروح ، والكلام الذي هو مظهرها فقال : ( إنّ أوّل الأشياء هو العمل ) [١] .
إنّ هذا الأصل أصل فلسفي مادِّي ماركسي ، وهو ما يُعرف لدى الماركسية بـ ( براكسيس ) . وقد اكتسبه ماركس من سَلفه المادي فويرباخ ، ومن إمامه الآخر هيجل .
وفي قبال هذا الأصل أصل فلسفي واقعي ، يقول بالتأثير المتبادل بين العمل والفكر وتقدّم الفكر على العمل . والجوهر البشري في هذه الفلسفة هو الفكر ، ( أي علم الإنسان الحضوري الجوهري بذاته ) .
والإنسان بواسطة العمل ومباشرة العالم الخارجي يكتسب أُصول معلوماته من الخارج ، وما دام الذهن لم يستغن بذاته عن هذه المعلومات الأوّلية لم يكن مجال لتوسيع معارفه . وبعد جمع هذه المعلومات الأوّلية يعمل الذهن في مجموعة مكتسباته الذهنية بوجوه مختلفة ، من التعميم والانتزاع والاستدلال ، ويستعد لكسب المعرفة الصحيحة ، والمعرفة ليست مجرّد انعكاس بسيط للمادة الخارجية في الذهن ، بل بعد انعكاسها تتيسّر المعرفة بواسطة مجموعة من الأعمال الذهنية التي تنشأ من جوهر الإنسان غير المادي ، وهو الروح ؛ إذن فالعمل منشأ الفكر ، والفكر أيضاً منشأ للعمل . والعمل مقياس الفكر ، والفكر مقياس العمل أيضاً ، وهذا ليس دوراً مستحيلاً ؛ فشرف
[١] ماركس وماركسيسم ص٣٩ .