المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٨٦ - أُصول النظرية المادية التاريخية
وفي قبال هذه النظرية نظرية أصالة الحاجات المعنوية . فبناءاً على هذه النظرية وإن كان الإنسان يشعر بحاجاته المادية قبل المعنوية ، كما يشاهد في وضع الطفل حيث يبحث منذ ولادته عن الثدي واللبن ، إلاّ أنّ الحاجات المعنوية الكامنة في فطرته تتفتّح تدريجياً ، حتى أنّه عند بلوغه سن الرشد يستعد للتضحية بحاجاته المادية في سبيل الحصول على ما يحتاج إليه معنوياً . وبتعبير آخر : إنّ اللذة المعنوية أصيلة في الإنسان ، بل هي أقوى من اللذات والمنافع المادية [١] وكلّما ترقّى الإنسان من حيث الدراسة والتربية ؛ أثّرت حاجاته ولذاته وحياته المعنوية في حاجاته ولذّاته وحياته المادية . والمجتمع أيضاً كذلك ، فالمجتمعات البدائية تتحكّم فيها الحاجات المادية أكثر من الحاجات المعنوية ، ولكن كلّما تكامل المجتمع اكتسبت الحاجات المعنوية قيمة وتقدّماً أكثر حتى تصبح هدف الإنسانية ، وتتنزّل قيمة اللذّات المادية حتى تصبح على مستوى الوسيلة [٢] .
٣ ـ أصل تقدّم العمل على الفكر :
الإنسان يفكّر فيعرف ويعمل العمل مقدم على الفكر أم بالعكس ؟ هل العمل هو جوهر البشرية أم الفكر ؟ هل شرف الإنسان عمله أو فكره ؟ فالإنسان هل وليد العمل أم الفكر ؟
المادية التاريخية تبتني على أصالة العمل وتقدّمه على الفكر ، وأنّ الأصل هو العمل والفكر فرعه . والمنطق والفلسفة القديمان يعتبران
[١] راجع النمط الثامن من الإشارات لابن سينا ، ففيه بحث قيّم حول هذا الموضوع .
[٢] راجع كتاب ( قيام وانقلاب مهدي از ديدكاه فلسفة وتاريخ ) .