المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٧١ - اعتبار التاريخ النقلي
اعتبار التاريخ النقلي :
هناك مَن يبالغ في إساءة الظن بالتاريخ ، فيعتقد أنّ جميع ما يُنقل منه من مجعولات الناقلين الذين حرّفوا الحوادث وقلبوا ، ونقصوا وزادوا، وجعلوا الأكاذيب على أساس الأغراض والمقاصد الشخصية ، أو العصبيات القومية والطائفية والعنصرية ، أو الروابط الاجتماعية فصنعوا التاريخ حسب أهوائهم . ولو كانت فيه من تأبى نفسه الكذب عمداً لكان يعمل في نقل الحوادث على أساس الانتخاب ، فينقل دائماً ما لا يعارض أهدافه وعقائده ، ويمتنع من نقل الحوادث التي تخالف عقيدته أو تجرح شعوره . فهؤلاء وإن لم يزيدوا على الحوادث التاريخية من عند أنفسهم ، ولم يجعلوا الأكاذيب ، إلاّ أنّهم بانتخابهم حسب الأهواء خرّجوا التاريخ بالصورة التي تعجبهم . مع أنّ الحادثة أو الشخصية إنّما يمكن أن يبحث عنها بدقّة إذا كان كل ما يتعلّق بها واصلاً إلى المحقق ، وأمّا إذا عرض عليه قسم وكتم عنه قسم آخر ؛ تختفي عليه الصورة الواقعية ، وتتجلّى له صورة أُخرى .
وهذه النظرة المفرطة إلى التاريخ تساوق نظرة بعض الفقهاء والمجتهدين ، الذين يسيئون الظن بنقل الأحاديث والروايات ، وهي التي يُعبّر عنها بالقول بانسداد باب العلم . فهؤلاء أيضاً انسداديّون في التاريخ . وربّما يقال على سبيل الطعن : ( إنّ التاريخ مجموعة حوادث لم تقع وقد دوّنها مَن لم يكن حاضراً ) . وقد حُكي هذا الطعن أيضاً عن بعض الصحفيين : ( الواقعيات مقدّسة ولكنّ الإنسان حرٌ في إظهار عقائده ) .
وهناك مَن لا يسيء الظن إلى هذا الحد ، ولكنّه فضّل فلسفة