المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٤٦ - الظواهر التي تدخل في نطاق سنن التاريخ
هذا التمييز بين عمل الفرد وعمل المجتمع ينبغي أن لا يُوقعنا فيما توهّمه عدد كبير من المفكّرين والفلاسفة الأوروبيين الذين ذهبوا إلى أنّ المجتمع كائن عملاق له وجود وحدوي عضوي متميّز عن سائر الأفراد ، وأنّ كل فرد ليس إلاّ بمثابة الخليّة في ذلك العملاق الكبير ، كما تصوّر ذلك هيجل مثلاً .
هؤلاء أرادوا أن يميّزوا بين عمل المجتمع وعمل الفرد ، فذهبوا إلى وجود كائن عضوي واحد عملاق ، يلفّ في أحشائه كلّ الأفراد ، وكلّ فرد يشكّل خليّة في هذا العملاق الواحد ، ونافذة على الواقع والعالم بقدر ما يمكن أن يجسّد هذا العملاق في الفرد من قابلياته وإبداعه . فكل قابلية وإبداع ، وكل فكر ، إنّما هو تعبير عن نافذة من النوافذ التي يعبّر عنها ذلك العملاق الهيجلي .
هذا التصوّر ليس بصحيح ، ولسنا في حاجة إليه ، وإلى الإغراق في الخيال إلى هذه الدرجة . ليس عندنا إلاّ الأفراد ، زيد وبكر وخالد ، وليس عندنا ذلك العملاق الأُسطوري المستتر مِن ورائهم .
مناقشة هيجل من الزاوية الفلسفية يخرج من حدود هذا البحث ؛ لأنّ التفسير الهيجلي للمجتمع مرتبط بكامل الهيكل النظري لفلسفته ، إلاّ أنّنا نريد أن نبيّن موقفنا من هذا التصوّر.
نحن لسنا بحاجة إلى مثل هذا الافتراض الأُسطوري لكي نميّز بين عمل الفرد عمل المجتمع ؛ لأنّ التمييز بين عمل الفرد وعمل المجتمع يتمّ من خلال ما أوضحناه من البُعد الثالث . عملُ الفرد هو العمل الذي يكون له بُعدان ، فإن اكتسب بعداً ثالثاً كان عمل المجتمع ، باعتبار أنّ المجتمع يشكّل أرضية وعلّة مادية له . يدخل هذا العمل