المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ١٨٤ - النقـد
بتعاليمهم بعد تحريفها ؛ وبذلك أصبح أقوى من ذي قبل ، وأقدر أسر الطبقة الكادحة .
فالواقع أنّ الأنبياء حاولوا أن يخفّفوا من مآسي الناس ، ولكن ما جاءوا به أصبح في النتيجة مصيبة فوق المصائب ، حيث اتخذته الطبقة المخالفة وسيلة لزيادة الضغط على المحرومين والمستثمرين . فما أراد الأنبياء أن يحقّقوه بتعاليمهم القيّمة لم يتحقق ، وما تحقق خارجاً مغاير لما أرادوه . وبتعبير الفقهاء : ( ما قُصد لم يقع وما وقع لم يُقصد ) .
إنّ ما يقوله الماديون المخالفون للدين من أنّ الدين أفيون الشعوب ، ووسيلة للتخدير ، وعامل للجمود والركود ، وموجّه للظلم والتمييز ، وأنّه يحمي الجهل ويسحر الجماهير ، صحيح بالنسبة إلى الدين الحاكم ، دين الشرك والتمييز الذي تمكّن من امتطاء التاريخ ، وخطأ بالنسبة إلى الدين الحقيقي ، دين التوحيد ، دين المساكين والمستضعفين المطرودين من مسرح الحياة والتاريخ باستمرار .
ولكنّ الدين المحكوم لم يلعب دوراً في الحياة إلاّ في حدود المعارضة والنقد ، مثلما لو تمكّن حزب في المجلس التشريعي من كسب الأكثرية ، وبالتالي تشكيل الدولة من أعضائها ، وتنفيذ برامجها وتحقيق أهدافها ، ولكنّ الحزب الآخر وإن كان أكثر منه تقدّماً ورقاءاً ، إلاّ أنّه يبقى دائماً في الأقلية ، فإنّه لا يمكن أن يعمل شيئاً سوى المعارضة والنقد . ولكنّ حزب الأكثرية لا يصغي إلى هذا النقد ، فهو يدير المجتمع كيفما شاء ، وربّما يستفيد من معارضة الأقلية ونقدها في سبيل تحكيم مواضعه . إذ لولا هذا النقد لأمكن أن يسقط بسبب الضغط المتواصل ،