المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٧٣ - العِلّيّة في التاريخ
أنّ بعض الحقائق تبقى مدّةً قيد الكتمان ، ثم تظهر بعدها بوضوح .
إذن فلا يمكن إساءة الظن بالمنقولات التاريخية بوجهٍ عام .
العِلّيّة في التاريخ :
هل قانون العلية يتحكّم في التاريخ ؟ إذا كان كذلك فلابد أن يكون وقوع كل حادثة في ظرفه الخاص حتمياً غير قابل للتخلّف ، فيكون التاريخ محكوماً بنوع من الجبر والضرورة ، فأين الحرية والاختيار الثابتان للإنسان ؟ إذا كان وقوع الحوادث جبرياً وضرورياً لم يكن لأي شخص مسؤولية تجاهها ، ولم يستحق أحد الثناء والتمجيد ، ولا اللوم والتقبيح . وإذا لم يتحكّم قانون العلّية في التاريخ لم يمكن تعميمه ، وبالنتيجة لم يكن للتاريخ قانون وسنّة عامة ، فإنّ القانون فرع ثبوت التعميم ، وهو فرع سريان قانون العلّية . هذه هي مشكلة التاريخ العلمي وفلسفة التاريخ . فاختار جماعة قانون العلّية وثبوت التعميم ، وأنكروا الحرية والاختيار ، فإنّ ما يقبلونه اسم الحرية ليس من الحرية بشيء . واختار آخرون قانون الحرية ، وأنكروا قانونية التاريخ . وأكثر علماء الاجتماع جزموا بعدم إمكان الجمع بين قانون العلّية والحرية ، واختاروا العلية وأنكروا الاختيار .
وممّن أيّد جبر التاريخ ( هيجل ) وتبعه ماركس . فمن وجهة نظرهما لا معنى للحرية إلا التنبّه للضرورة التاريخية . وقد نقل في كتاب ( ماركس وماركسيسم ) عن كتاب ( آنتي دورينك ) تأليف إنجلز قوله : ( إنّ هيجل أول مَن أوضح الارتباط بين الضرورة والحرية ، فمن وجهة نظره ليست الحرية إلا إدراك الضرورة .