المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٧٩ - مفهوم القرآن الكريم عن دور الإنسان في الحركة التاريخية
هذا الدين الذي يصنُعه الإنسان لا يمكن أنْ يكون هو الدين القيّم ، ولا يمكن أن يكون هو المصعّد الحقيقي للمسيرة البشرية ؛ لأنّ المسيرة البشرية لا يمكن أن تخلق إلهها بيدها .
إذا تقدّمنا خطوة إلى الأمام ، نجد المجتمعات والأُمم ، التي تعيش هذا المثل الأعلى المنخفض المستمد من واقع الحياة ، سوف تفقد ولاءها بالتدريج لهذه المثل ، بعد أن يفقد هذا المثل فاعليته وقدرته على العطاء ، وبعد أن يصبح نسخة من الواقع . وفقدان الولاء لهذه المثل يعني أنّ القاعدة الجماهيرية الواسعة في هذه الأُمّة سوف تتمزّق وحدتها ؛ لأنّ وحدة هذه القاعدة إنّما هي بالمثل الواحد ، فإذا ضاع المثل ضاعت هذه القاعدة .
هذه الأُمّة ، بعد أن تفقد ولاءها لهذا المثل ، تصاب بالتشتّت والتمزّق والتبعثر ، وتكون كما وصفها القرآن الكريم :
( بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) [١] .
بأسُهم بينهم شديد باعتبار أنّ هذه الأُمّة لا يجمعها شيء إلاّ تماثل الوجود وتقارب الوجوه ، لا يجمعها مثل أعلى ولا يجمعها سبيل واحد ، قلوب متفرقة وأهواء وأرواح مبعثرة وعقول مجمّدة .
في مثل هذه الحالة لا تبقى أُمّة ، وإنّما يبقى شبح أمة فقط ، وفي ظل هذا الشبح سوف ينصرف كل فرد من هذه الأُمّة إلى همومه الصغيرة والى قضاياه المحدودة ؛ لأنّه لا يوجد هناك مثل أعلى تلتف حوله الطاقات والقابليات والإمكانات ، وتحشد من أجله التضحيات . حينما
[١] الحشر : ١٤ .