المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٥٧ - المجتمعات في المستقبل
ويقولون : إنّ الإسلام يمنع من التمييز العنصري والاستعلاء القومي ، ولا يعني ذلك مخالفته لوجود القوميات المختلفة في المجتمع البشري . فقانون التسوية في الإسلام لا يعني نفي القوميات ، بل إنّ ذلك يعني أنّ الإسلام يعترف بوجود القوميات كأُمور واقعية طبيعية مسلّمة غير قابلة للإنكار . قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ .. ) [١] . وهذه الآية وإن استدل بها على نفي القوميات وإلغائها في الإسلام ، إلاّ أنّها تدل على عكس ذلك وتؤيّد وتقر القوميات . فإنّ الآية تتعرّض أولاً لانقسام البشر من حيث الجنس إلى ذكر وأُنثى بصورة طبيعية ، ثم تتعرّض بعد ذلك مباشرة لانقسامهم إلى شعوب وقبائل .
وهذا يعني أنّ هذا التقسيم طبيعي وإلهي كالانقسام الأول . ويستفاد من ذلك أنّ الإسلام كما يؤيّد العلاقة الخاصة بين الرجل والمرأة دون نفي الجنس وآثاره ، كذلك يؤيّد علاقات الشعوب على أساس التساوي دون نفي القوميات ، فجعل القرآن القوميات في عداد الاختلاف الجنسي ، وإسنادهم معاً إلى الله تعالى يدل على أنّ وجود القوميات المختلفة واقع طبيعي في الخلق . وما ورد في القرآن من جعل الغاية وحكمة الاختلاف القومي ، ومعرفة الشعوب بعضها بعضاً ؛ يشير إلى أنّ كل شعب إنّما يعرف نفسه ويكتشف ذاته من خلال مواجهته لسائر الشعوب ، وآنذاك تتبلور شخصيته وتقوى بنيته .
وعليه فالإسلام ، خلافاً لما هو المشهور ، يؤيّد القومية بمفهومها الثقافي ، ولا يخالفها ، وإنّما يخالف القومية بمفهومها العنصري .
[١] سورة الحجرات / ١٣.