المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٩٥ - مفهوم القرآن الكريم عن دور الإنسان في الحركة التاريخية
بالمسؤولية . وهذا الشعور بالمسؤولية ليس أمراً عرضياً ، وليس أمراً ثانوياً في مسيرة الإنسان ، بل هو شرط أساسي في إمكان نجاح هذه المسيرة ، وتقديم الحل الموضوعي للتناقض الإنساني ، للجدل الإنساني ؛ لأنّ الإنسان يعيش تناقضاً بحسب تركيبه وخلقته ، ولأنّه تركيب من حفنة من تراب ونفحة من روح الله سبحانه وتعالى ، كما وصفت ذلك الآيات الكريمة .
الآيات الكريمة قالت : إنّ الإنسان خُلق من تراب ، وقالت إنّه نُفخ فيه من روحه سبحانه وتعالى . إنّه إذن مجموع نقيضين اجتمعا والتحما في الإنسان : حفنة التراب تجرّه إلى كل ما ترمز إليه الأرض من انحدار وانحطاط ، وروح الله سبحانه وتعالى التي نفخها فيه تجرّه إلى أعلى ، تتسامى بإنسانيته إلى حيث صفات الله ، والى حيث أخلاق الله ، وإلى حيث العلم الذي لا حدّ له والقدرة التي لا حدّ لها والعدل الذي لا حدّ له ، إلى حيث الجود والرحمة والانتقام إلى حيث هذه الأخلاق الإلهية . هذا الإنسان واقع في تيّار هذا التناقض ، وفي تيّار هذا الجدل بحسب محتواه النفسي وتركيبه الداخلي .
هذا الجدل وهذا التناقض الذي احتوته طبيعة الإنسان وشرحته قصّة آدم في القرآن الكريم ـ على ما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ لا يمكن أن يحلّه الشعور المنبثق عن هذا الجدل ، فإنّ الشعور المنبثق عن نفس هذا الجدل لا يُحلّ هذا الجدل بل هو يساهم في إفراز هذا التناقض . وهذا الجدل الإنساني له حلّ واحد فقط هو الشعور بالمسؤولية . وهذا الشعور الموضوعي بالمسؤولية لا يكلفه إلاّ المثل الأعلى الذي يكون جهة عليا ، يحسّ الإنسان من خلالها بأنّه بين يدي ربّ قادر سميع بصير محاسب مجاز على الظلم مجازٍ على العدلِ . هذا الشعور الموضوعي بالمسؤولية