المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٩١ - مفهوم القرآن الكريم عن دور الإنسان في الحركة التاريخية
كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ) لغة الآية لغة التحدّث عن واقع ثابت وحقيقة قائمة ، وهي : أنّ كل سير وكل تقدّم للإنسان في مسيرته التاريخية الطويلة الأمد ، إنّما هو سير وتقدّم نحو الله سبحانه وتعالى . حتى الجماعات تلك التي تمسّكت بالمثل المنخفضة وبالآلهة المصطنعة ، واستطاعت أن تحقّق لها سيراً ضمن خطوة على هذا الطريق الطويل ، حتى هذه الجماعات التي يسمّيها القرآن بالمشركين ، تسير هذه الخطوة نحو الله ، وهذا التقدّم هو اقتراب نحو الله سبحانه وتعالى بقدر ما فيه من زخم وفاعلية .
وهناك طبعاً فرق بين تقدم مسئول وتقدّم غير مسئول ( على ما سيأتي شرحه إن شاء الله ) حينما تتقدّم الإنسانية في هذا المفاض واعية على المثل الأعلى وعياً موضوعياً ، يكون التقدّم مسئولاً ، ويكون عبادة بحسب لغة الفقه ، لوناً من العبادة له امتداد على الخط الطويل ، وانسجام مع الوضع العريض للكون . أمّا حينما يكون التقدم منفصلاً عن الوعي على ذلك المثل ، فهو تقدم على أي حال ، ولكنّه تقدم غير مسئول على ما سيأتي تفصيله .
كل تقدم إذن هو تقدم نحو الله ، حتى أُولئك الذين يركضون وراء سراب كما تحدّثت الآية الكريمة ، فإنّهم يركضون وراء السراب الاجتماعي ، وراء المثل المنخفضة ، وحينما يصلون إلى هذا السراب لا يجدون شيئاً ، ويجدون الله سبحانه وتعالى ؛ فيوفّيهم حسابهم كما تتحدّث الآية الكريمة . والله سبحانه وتعالى هو نهاية هذا الطريق ، ولكنّه ليس نهاية جغرافية على نمط النهايات الجغرافية للطرق الممتدة مكانياً ، كربلاء ـ مثلاً ـ نهاية طريق ممتّد بين النجف وكربلاء ، كربلاء بمعناها المكاني نهاية جغرافية ، أي إنّها موجودة في آخر الطريق ، وليست موجودة على طول الطريق ، لكنّ الله سبحانه وتعالى ليس نهاية على نمط النهايات