المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٩٠ - مفهوم القرآن الكريم عن دور الإنسان في الحركة التاريخية
مسيرة الإنسانية نحو الله
قال سبحانه وتعالى :
( يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ) [١] .
هذه الآية تضع الله سبحانه وتعالى هدفاً أعلى للإنسان ، والإنسان هنا بمعنى الإنسانية ككل . فالإنسانية بمجموعها تكدح نحو الله سبحانه وتعالى ، تسير سيراً مستمرّاً مقروناً بالمعاناة والجهد والمجاهدة ؛ لأنّ هذا السير ليس سيراً اعتيادياً ، بل سيراً ارتقائياً . إنّه تصاعد وتكامل ، إنّه سير تسلّق ، فهؤلاء الذين يتسلّقون الجبال ليصلوا إلى القمم يكدحون نحو هذه القمم ، يسيرون سير معاناة وجهد . وكذلك الإنسانية حينما تكدح نحو الله فإنّما تتسلق إلى قمم كمالها وتكاملها وتكوّرها ، إلى الأفضل باستمرار .
هذا السير الذي يحتوي على المعاناة المستمرّة يفترض طريقاً لا محالة ، فإنّ السير نحو هدف يفترض حتماً طريقاً ممتداً بين السائر وذلك الهدف . وهذا الطريق هو الذي تحدّثت عنه الآيات الكريمة في مواضع متعدّدة تحت اسم : سبيل الله ، والصراط ، وصراط الله ، وكلّها تتحدّث عن الطريق الذي يفترضه ذلك السير .
كما أنّ السير يفترض الطريق ، كذلك الطريق يفترض السير أيضاً ، والآية المذكورة تتحدّث عن حقيقة قائمة ، عن واقع موضوعي ثابت ، فهي ليست بصدد دعوة الناس إلى أن يسيروا في طريق الله سبحانه وتعالى ، كما فعلت آيات قرآنية أُخرى . لا تقول يا أيّها الإنسان اكدح في سبيل الله . بل تقول : ( يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ
[١] الانشقاق : ٦ .