تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٢ - سورة يس(٣٦) آية ١٥
وَ ما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ هذه غاية شبهة الجاحدين للحق و المنكرين للبعثة و الرسالة، و لا يبعد أن يكون احدى الفوائد و الاغراض المسوق اليها هذه القصة هي حكاية هذه الشبهة و ارتكازها في أوهام ضعفاء العقول، المنتسبة الى الفلسفة، المتشبهة بهم من الطباعية و الدهرية و الصبوية، و براهمة الهند المنسوبة الى برهمان الهندي، حيث أنهم بعد علمهم بأحوال المبدإ و تيقّنهم بوجوده و تنزهه و تقدسه تحيروا في أحوال الاخرة و المعاد، و اضطربت أفكارهم في حقيقتها و حقيقة الرسالة و حقيقة الرسول المنذر بوقوعها، و سعادتها و شقاوتها، و نيرانها و جنانها، و سلسبيلها و زقّومها، و مالكها و رضوانها، بل صرحوا بنفي المعاد بعد الممات، حيث ورد ان الإنسان المتكون من مزاج حاصل من أضداد عند امتزاج مهما فسد لا يرجى له و لغيره فيه فائدة، فحكموا بأنه إذا مات، مات، و معاده قد فات، كما حكي اللّه عنهم بقوله: ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [٤٥/ ٢٤] و الإنسان عندهم كالعشب و المرعي ينبت و ينمو من الأرض فيصير غثاء أحوى.
و على هذه الطريقة جرت خصوم الخليل عليه السلام من الصابئة- على ما حكى اللّه تعالى عنهم في مواضع جمّة من كتابه، مثل قوله: أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا [٦٤/ ٦] ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ [٢٣/ ٢٤] يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَ يَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ [٢٣/ ٣٣] و مدار انكارهم و استكبارهم على هذه الشبهة التي أشير اليها في مواضع من الكتاب كما قال اللّه تعالى:
وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا