تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦٢ - مكاشفة قرآنية
بهذه الكرامة الالهية من بين سائر الموجودات التي ليست لها درجة التجرد عن الماديات و الاحاطة بالعقليات.
قوله: «من الأجداث» و هو جمع «جدث» اي: من القبور، و هي لغة أهل العالية، و يقول أهل السافلة بالفاء، «و النسول»: الاسراع في الخروج، اي:
يخرجون سراعا من القبور الى الموضع الذي يحكم اللّه فيه، لا حكم لغيره هناك.
مكاشفة قرآنية
و من الاسرار العظيمة المتعلقة بقوله تعالى: فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ انه لما تحقق و انكشف لذوي البصائر المستنيرة بنور اللّه و الصدور المنشرحة للإسلام، ان الدنيا مثال الاخرة، و القالب ظل القلب، فأحوال كل منهما شاهدة على أحوال الاخرى و العاقبة نتيجة السابقة، و الظاهر عنوان الباطن، فنسل الأبدان من القبور الى مواقف الاخرة كنسل الأرواح من الأبدان الى المواقف الالهية، ليعلم أن الرب تعالى غاية قصد الإنسان و سعيه، كما أنه مبدأ كونه و حدوثه، و يتحقق حينئذ بمعنى قوله تعالى: إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ.
و هذا مما لا يتيسّر لاحد الاطلاع عليه الا من جهة معرفة مبادئ تكون الإنسان و غاياته بعد ما تصور و تحقق ان الإنسان ذو وجهين ٢٣، أحد وجهيه جسماني مظلم متغير في ذاته قابل للفناء، و الاخر منهما روحاني منير ثابت دائم بدوام علته الفياضة، باق ببقاء ربه الحي القيوم كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ [٥٥/ ٢٧] و الوجه الجسماني انما حياته، و دوامه بالوجه