تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٣ - تبصرة برهانية
إذا تمهدت هذه الأصول فنقول: معنى قوله: «أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ» انه خلقتكم على فطرة العقل القادس و البصيرة الباطنية التي لها القوة على ادراك الحقائق، و النظر في مقدمات الأمور و أسباب الأشياء و أواخرها و غاياتها، و جعلت لكم السمع و الأبصار و الافئدة، و الاقتدار على مدافعة تسويلات الوهم الموسوس بالشيطان، و قهره بنور البرهان و قوة الايمان و الاطلاع على حيله و مكره و جنوده و أحزابه و أتباعه بسلامة الذوق و الوجدان و قوله: «انه لكم عدو مبين» معناه أن الضدية و العناد ثابتة بينكم و بينه كما بين الملك و الجن، و النور و النار، و البرهان و المغلطة، و الإلهام و الوسوسة، و التوفيق و الخذلان، و الهداية و الضلال، و السعادة و النكال.
و قوله: «وَ أَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ» انه إذا وقعت المعارضة بين البرهان و السفسطة، و الحق و الباطل، و العقل و الوهم، و الهام الملك بإيثار الاخرة على الاولى، و وسوسة الشيطان بإيثار العاجلة على الاجلة، فأطيعوا أمر الحق و امضوا حيث تؤمرون، و اسمعوا قول العقل الصريح و الشرع الصحيح، و اتبعوا سبيل المسلمين، و لا تتبعوا أمر المفسدين، و انحرفوا عن طريق المجرمين، و لا تطيعوا أمرهم، ان هذا صراط مستقيم يؤدى الى عالم الرحمة و القرب و الرضوان و باقي الصراط معوجة منتهيته الى عالم النقمة و الطرد و الخسران، و الهلاك و النيران.
تبصرة برهانية
اعلم ان هذه العبادة المشار اليها في الاية الموجبة للكون على الصراط المستقيم و التخلص عن الشيطان الرجيم هو الاستقامة على طريق الحق بالعلم و العمل، و اما أصل العلم الذي أفضل جزئي هذه العبادة فهو العلم الربوبي