تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٢٣ - طريقة اخرى
الإنسان، فإذا استدار فقد عمل فيه قريب من سبعة آلاف صانع، كل صانع أصل من اصول الصنايع التي تتم بها مصلحة الخلق.
ثم تأمل كثرة أعمال الإنسان في تلك الآلات، حتى أن الابرة- التي هي آلة صغيرة يفتقر اليها في بعض امور الحراثة و في خيط اللباس للزارع الذي يمنع عنه البرد- لا يصلح صورتها من حديد يصلح للابرة الا بعد أن تمر على يد الا برىّ خمسة و عشرين مرة يتعاطي في كل مرة عملا.
فلو لم يجمع اللّه البلاد، و لو لم يسخر العباد، و افتقرت الى عمل المنجل الذي يحصل به البر و الشعير مثلا بعد نباته و يبسه لنفد عمرك و عجزت عنه.
ثم ان هؤلاء الصناع المصلحين للآلات و الاطعمة و غيرها لو تفرقت آراؤهم و تنافرت طباعهم- تنافر طباع الوحش- لتبددوا و تفرقوا و تباعدوا، و لم ينتفع بعضهم ببعض، بل كانوا كالوحش لا تحويهم مكان واحد، و لا يجمعهم غرض واحد، فانظر كيف ألّف اللّه بين قلوبهم، و لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم، فلأجل الالف و تعارف الأرواح اجتمعوا و ائتلفوا و بنوا المدن و البلاد، و رتبوا المساكن و الدور متقاربة متجاورة، و رتبوا الأسواق و الخانات و سائر أصناف البقاع.
ثم هذه المحبة مما قد تزول بأغراض يتزاحمون عليها و يتنافسون فيها، و في جبلة الإنسان الغيظ و الحسد و المنافسة، و ذلك يؤدى الى التقابل و التنافر فانظر كيف سلط اللّه السلاطين و أيّدهم بالقوة و القدرة، و ألقى رعبهم في قلوب الرعايا حتى أذعنوا لهم طوعا او كرها.
و كيف هدى اللّه السلاطين الى طريق إصلاح البلاد حتى رتبوا أجزاء المدن كأنها أجزاء شخص واحد يتعاون على غرض واحد ينتفع البعض منها بالبعض