تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٢ - سورة يس(٣٦) آية ٧٧
في معناها، بل لينظر الإنسان الى النطفة التي منها بدء خلقه، فيعلم انها مادة قذرة لو تركت ساعة ليضربها الهواء فسدت و تفّتت، و تفكر في أنها كيف أخرجها ربها رب الأرباب من بين الصلب و الترائب، و لو لا عنايته وجوده في حق هذا المولود فمن الذي أخرجها و نقلها في أطوارها، ثم في أنه كيف جمع بين الذكر و الأنثى و ألقى المحبة بينهما، بل كيف جمع بين الأجداد و الجدات و ألقى المحبة بينهم و الالفة في قلوبهم و كيف قادهم بسلسلة المحبة و الشهوة الى هذا الاجتماع.
ثم كيف استخرج النطفة عن الرجل بحركة الوقاع، و كيف استجلب دم الحيض من أعماق العروق و جمعها في الرحم، ثم كيف خلق المولود من النطفة و سقاه بدم الحيض و غذاه حتى نما و تربى و كبر، و كيف جعل النطفة و هي بيضاء علقة و حمراء، ثم كيف جعلها مضغة، ثم كيف قسّم أجزاء النطفة و هي متشابهة و متساوية الى العظام و الاعصاب و العروق و الأوتار و اللحم، ثم كيف ركب من اللحم و العظم و الاعصاب و العروق و غيرها من الأعضاء الظاهرة المتشكلة بأشكال مختلفة، فدور الرأس و شق السمع و البصر و سائر المنافذ، ثم مدّ اليد و الرجل و قسم رؤوسها بالأصابع، و قسم الأصابع بالأنامل، ثم كيف ركب الأعضاء الباطنة من القلب و المعدة و الكبد و الطحال و الرئة و الرحم و المثانة و الأمعاء، كل واحد على شكل مخصوص و مقدار مشخص لعمل معين ثم كيف قسم كل عضو من هذه الأعضاء بأقسام: فركب العين من سبع طبقات لكل طبقة وصف مخصوص و هيئة مخصوصة لفائدة معينة بحيث لو فقدت طبقة منها او زالت عن موضعها و وصفها لعطلت العين.
فلو ذهبنا نصف في آحاد هذه الأعضاء و أقسامها و أقسام أقسامها و فوائدها و غاياتها لانقضت الاعمار دون وصف عشر عشير من الأعشار.
فقد عجب اللّه تعالى من حال من كان أوله و أصله على هذه المهانة و الخسة